راصد

لاتضعفني أكثر

لا يستطيع أحد أن ينكر أن البحرين منذ أن أطلق صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد حفظه الله قبل حوالي عشر سنوات مشروعه الإصلاحي قد دخلت مرحلة مختلفة تماماً في تاريخها السياسي والاجتماعي ، وقد طال هذا التغيير مناحي ومجالات متعدّدة كان من بينها وأهمها أن أصبحت الحريات والشفافية عنواناً كبيراً انطوت في مضامينه أنشطة ونشأت بسببه مؤسسات ومجالس لا يمكن أن ننكر – بغض النظر عن ضعفها أو قوتها – أن لها إنجاز . ثم أنه ترتب على تلك التغييرات أن من كان يقول كلامه في المهاجر والمنافي صار يمكنه أن يقول أكثر منه في وطنه من دون خوف ، واستطاع من كان يتحرك ويتحدث من تحت الأرض أن ينطلق بحركاته وتصريحاته في الآفاق دون أن يحدّها ممنوعات أو تراقبها محظورات .

ثم أنه في ظل هذا التغيير – وربما قبله – كان هنالك حراك لاتخطئه العين في المؤسسات الدينية لشركائنا في الوطن تراكم أو تغوّل حتى صار من القوّة أشبه بحالة من الاستقلال عن سلطة الدولة بحيث أنه – على سبيل المثال – حتى حينما ارتأت الدولة بسلطاتها التشريعية والتنفيذية إيجاد تشريع لأحكام الأسرة ؛ لم تستطع تمريره على تلك المؤسسات فصدر لنصف المجتمع قانون قد يكون من الحالات النادرة في الدول أن يكون فيها قوانين لايجري بسطها على كل من فيه أو لا يتساوى تحت مظلّتها وسلطانها الجميع.

على أن هذا القانون أو هذه الممارسة لم تكن الوحيدة ؛ إنما استقرّ في عرفنا المجتمعي أن منابر ومؤسسات دينية تُركت تتمدّد – إن لم نقل تتمرّد – وتتجاوز ، وتتناول الشأن المعيشي والسياسي محلياً وخارجياً بكل تفاصيله ، تمارس النقد أو التحريض أو التأليب أو التحشيد دونما حسيب أو رقيب ولو تجاوزت السقوف وتعدّت المحظور حتى إذا ما جاءت الأحداث المؤسفة التي تمرّ على وطننا العزيز اكتشفنا أنها هي المحرّك الرئيس أو بيدها الإدارة الفعلية أوالقرار الحاسم بينما في المقابل خفت صوت المنابر والمؤسسات الدينية الخاصة بالمكوّن الآخر في المجتمع ، وهم أهل السنّة والجماعة حيث تسطّح الخطاب الديني ونأى عن قضايا الناس وتم إبعاده عن السياسة وتجريده من نبض الشارع وعزله عن حيوية مشكلات الوطن وقضاياه – للدقة نقول في غالبه –  بحيث غدى  أو كاد أن تكون صلاة وخطبة الجمعة عند معظم الناس مجرّد تأدية فرض وتحصيل حاصل ، لا قيمة لها في واقعهم ومعاشهم ولا تأثير لها في عرض مشكلاتهم ومناقشة مستجداتهم وقضاياهم حتى إذا ما جاءت الأحداث المؤسفة على وطننا العزيز وتطوّرت في خطورتها إلى حدّ ما يشبه اختطاف البلد اكتشفنا مقدار حاجتنا الماسّة لأن تتوازى وتتساوى المنابر الدينية لدى كل مكوّنات المجتمع وأن تلك المنابر والمؤسسات لابد لها أن تقوى أو بالأحرى تُقوّى وتأخذ دورها وتأثيرها الحقيقي أو – على الأقل – الموازي في المحافظة على الوطن ، هوية وانتماء ، وأن يُفسح لها المجال لدحض مشروع طائفي وسدّ فراغ تم استغلاله .

عموماً ؛ لا أجد ضيراً من إعادة تكرار أو بيان ما سبق أن ذكرته في هذا العمود المتواضع أكثر من مرّة ، ويردّده المخلصون والأمناء والغيارى في هذه الأيام من غير الدخول في التفاصيل لأن بعض التفاصيل محزنة ومحبطة ، ونحن لا نشك أبداً في الحرص والنوايا الحسنة التي يتمتع بها الإخوة الأفاضل في وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف وينطلقون منها لضبط المنابر الدينية لكن ” لاتضعفني أكثر ياابن أمّي ” .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s