راصد

إعلام خارج الزمن !!

أكثر مايميز وقتنا وعصرنا الحالي هو تلك الثورة الهائلة ، وغير المسبوقة في المعلومات والاتصالات والفضائيات ، حيث اختصرت فيه المسافات وتقاربت الشعوب ، وظهرت وسائل وآليات للتواصل كان مجرّد التفكير فيها في السابق من ضروب السحر أو ربما الخيال الذي لايطرأ على بال أحد ولايمرّ في وجدانه ، لولا أنها تحققت على أرض الواقع الآن وتحوّل العالم بأجمعه إلى مايشبه القرية الواحدة بفضل التطوّر التقني الكبير الذي اختصر الزمان والمكان وأصبح مجرّد الضغط على بضعة أزرار على أجهزة إلكترونية متعددة ، سواء هاتف نقال أو أجهزة حاسب آلي كفيلة بأن تحصل فيها على ماتريد من بيانات ومعلومات وتطالع فيها ماتشاء من أخبار وصور ، بل ويمكنك أن تتابع مايعنّ على بالك من أحداث من أي موقع في العالم ، ليس بعد حصولها وإنما قد تراها مباشرة وهي تدور رحاها بصورة كان متابعتها ورؤيتها وجلب معلوماتها وتفاصيلها يستلزم مدداً بالأيام وربما بالشهور مما انتهى في عصرنا الحاضر وصار لايكلفك من الوقت والجهد سوى أن تضغط بأناملك الناعمة على تلك الأزرار الإلكترونية ( الساحرة ) ، وفقط .

لم تكن الأجهزة والآلات (الصمّاء) هي التي طالتها طفرة التغيير وثورة التطوير ، وإنما الإنسان نفسه قد ثار أيضاً بقوة – تبعاً لثورة الأجهزة – على التعتيم والتزييف والتزوير والتلفيق والتطبيل والتضليل والتلقين حيث ارتقت مداركه وبات يسارع أو يصارع  الزمن للتأقلم مع إفرازات تكنولوجيا المعلومات و( الميديا ) حتى يمكنه أن يعيش في هذا المكان ، يعرف ما يدور حوله ويفهمه على النحو الذي لا يجعله خارج المرحلة ، ولايتركه جاهلاً في اختياراته ، مسلوباً في إرادته ، مضللاً في مواقفه ، مقهوراً في قناعاته . ولذلك صار الناس – في عمومهم – يستطيعوا أن يتوصلوا بأنفسهم متى ما أرادوا إلى ما يشاؤون من معلومات ويتابعوا الأخبار والأحداث وفق  حرصهم ورغباتهم وبحثهم عن الحقائق والوقائع من مظانّها ومصادرها ويكوّنوا رؤيتهم ومواقفهم وقناعاتهم بصددها دونما حاجة لأن تتدخل أيادي الحجب أو المنع أو الحذف أو الإضافة أو التدليس أو ماشابهها من أدوات ووسائل صارت تتكشف بسهولة وتنهار بكل يسر أمام هذا التقدّم التقني وكذلك الإنساني ، أقصد في تفتّح المدارك وزيادة الوعي الجماهيري نحو النظافة واحترام العقول والأفهام.

وتبعاً لهذه الثورات العلمية والمعلوماتية والحضارية ولأن ( العيال كبْرت ) ؛ فإن وسائل الإعلام المختلفة ، سواء فضائيات أو صحف أو إذاعات قد غيّرت استراتيجياتها وسياساتها وانطلقت لتتناغم مع ما أتاحته تلك التطورات من حرية الآراء وفضائية المعلومات فحرصت على ترسيخ قيم ومباديء وأخلاقيات مهنية مثل المصداقية والموضوعية والدقة والتنوع والتعدّد، وألغت من قواميسها كل ما يخالف هذه المباديء تماشياً مع الاحترام الواجب للمعلومات والعقول في عصرنا الحاضر ، وانتهت لديها العين الواحدة وأسقطت مقولة ( لاأريكم إلاّ ما أرى ) .

غير أنه بالرغم من كل ذلك ، وأمام هذا التطوّر المدهش ؛ قد تُصاب بالصدمة أو الذهول – وربما الغثيان – حينما تكتشف إن كثرة من وسائل الإعلام العربية (سواء فضائيات أو صحف أو إذاعات ) لازالت تعيش الزمن القديم ، تمارس التضليل والتجهيل والتعتيم والتزييف، لاتعترف بالمصداقية وتذبح التعددية وتنحر التنوّع وتغيّب الحقيقة دون أن تدري أنها بذلك – في ظل الانفجار المعلوماتي والإعلامي الهائل – قد وضعت نفسها خارج الزمن.

سانحة :

لم يعد في وارد الإمكان الآن بعد كل هذا التقدّم والوفرة المعلوماتية والصحوة الوجدانية أن يسمع الناس ويستسلموا ويصدقوا لأكاذيب وفبركات تذكرنا – مثلاً – بالمذيع المشهور أحمد سعيد الذي كان يخرج في صوت العرب إبّان حرب 1967 ليصرخ في ميكرفونها ” أمجاد ياعرب أمجاد ” ويروّج لانتصارات وهمية لم تتعدّ حدود الميكرفون الذي كان يتحدّث منه . ولا يمكن أن تنطلي على الناس بسهولة تضليلات شبيهة بتضليلات وزير الإعلام العراقي الشهير محمد سعيد الصحاف حينما كانت القوات الأمريكية بمدرعاتها وكاسحاتها في عام 2003م على أبواب بغداد ، تدنّس ترابها وتملأ طائراتها سماءها وتدكّ بوارجها أراضيها ؛ بينما كان الصحاف يخرج علينا في تلفزيونه وإذاعته وصحفه يهدد ويتوعد ويتحدّث عن انتصارات ويصف الغزاة بالمرتزقة والأوغاد و( الطراطير ) ووصفه المشهور ( العلوج ) حتى انتهى الأمر حينذاك بأن سُلبت بغداد وفقدت الأمة العربية عراقها وأحد أكبر دروعها !!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s