نافذة الجمعة

استدعاء التدين

من المفارقات العجيبة التي نلمسها اليوم هو أن التدين عند البعض صار يتغير وفق منطق الاســتخدام، ويتأقلم بحسب الحاجة الى الاستدعاء عند ظروف وأوضاع معينة، وذلك بدلاً عن أن يكون منهجا ثابتاً إزاء جميع الأمور ومعياراً لازماً في كل الأوقات، وليس بعضها أو جزءاً منها.
ولذلك أتساءل مثلاً – في بعض الأحيان عن سرّ التدين (المفاجئ) الذي تخلعه وسائل الإعلام – بالذات الإذاعة والتلفزيون- على برامجها وخاصة عندما يزداد التأزيم في ظل الأحداث المؤسفة بحيث إنه يجري بث أدعية أو أناشيد إسلامية أو ما شابه ذلك مما لا تكون معروضة أو مسموعة أو معتادة أو مدرجة في برامجهم في الأوقات السابقة، ويكون حالها بالضبط مثلما يحدث في شهر رمضان المبارك حينما (تتبرقع) بعض الفضائيات ومعها صحف معروفة بحرصها على نشر ثقافة الانحلال والتفسخ فتلبس الحياء وتتولى نشر الفضيلة والكلام عن الأخلاق والسمو والطهارة، وهي ذاتها التي كانت تشنّ عليها في غير رمضان حربا بلا هوادة!! الأمر نفسه عند بعض المثقفين أو أصحاب الأقلام وما شابههم ممن صاروا (حمّالة أوجه) يتلونون يميناً وشمالاً بحسب تصاعد الأحداث أو خفوت خطرها أو بحسب مطالب وأسباب (أخرى)، قد ترى في كتاباتهم أو أقوالهم قمة التدين، وقد يرتدون لبوس الدعاة والمشايخ ويلهجون بذكر الله، وقال الله تعالى وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، يتقربون إلى الملتزمين ويتزلفون اليهم ويشجعوا شبابهم ويدعون فتيتهم إلى تبني تعاليم الإسلام السمحة والتقيّد بتوجيهاته الحنيفة! وما أن ينتهي الشهر المبارك أو تخفّ أسباب التأزيم أو (يزول الخطر) أو (ينفضّ المُولد) حتى تتغير الأمور وتعود حليمة إلى عادتها وحربها وحساسيتها القديمة، كأن شيئاً لم يحدث، وكأن عبرة لا يستلزم الاعتبار بها رغم كثرة العبِر التي يسوقها لنا المولى عز وجل الذي عبّر في محكم التنزيل عن هذه الحالة من التناقض، عندما يلجأ البعض إلى التقرّب الى الله في حال المحن والمصائب فقط، مثل قوله تعالى: «هو الذي يسيّركم في البرّ والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها، جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنّوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ من الشاكرين» ثم لا يلبث أن ينسى فضل الله عليه حينما تزول تلك الكُرب ويفرّجها عنه سبحانه وتعالى «فَلما أنجاهم إِذَا هم يبغون في الأرض بغير الحق، يا أَيها النَّاس إنما بغيكم على أنفسكم متاعَ الحياة الدُّنيا ثم إلَينا مرجعكم فننَبّئكم بما كنتم تعملون».
وبالتالي يكون أمره محزناً ومثيراً للشفقة كل من يستدعي التدين وفق أمزجته وطبقاً لهواه وبحسب المواسم أو درجة الخوف والخطر أو الحبّ والكره أو الرضا والبغض.
سانحة:
من النكات الظريفة، أن مجموعة من الأشخاص دخلوا أحد البارات وبدأوا يحتسون الخمر فلما جاء دور الطعام قال قائلهم تجنبوا لحم الخنزير لأنه حرام..

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s