راصد

الإعلام والثقافة والغياب

لانتمنى أن نقول أن العقلية التي تقوم الآن بإدارة الإعلام عندنا وتتولى خريطة بث البرامج ونشر الأخبار وتعميمها أو تعتيمها وتغييبها أو منعها في جهاز الإعلام الرسمي ومعه شبه الرسمي هي عقلية لم تتأثر بالتحولات العالمية في مجال الإعلام والاتصال ، وبعيدة عن الارتقاء الحقيقي مع هموم الوطن وتفاعلاته .

لانتمنى أن نصفها فنقول أنها ذات العقلية التي كانت موجودة – مثلاً – في التسعينات من القرن الماضي ، عندما اجتاحت القوات العراقية في الثاني من أغسطس عام 1990م دولة الكويت الشقيقة واحتلتها وانتشرت أنباء هذا الاحتلال الغاشم في مختلف أرجاء المعمورة عن طريق الفضائيات والإذاعات ، بينما غطّت عندنا في سبات عميق فضائيتنا وإذاعتنا لمدة يومين تقريباً ، أفاقت بعدها لتكتشف أن بلداً قريباً منّا – جغرافياً ووجدانياً – قد تم احتلاله بالفعل وتشريد أهله !!

لانتمنى أن نقول عنها كل ذلك لولا أنه كان لافتاً خلال الأيام القليلة الماضية شبه الغياب الواضح لهذه الأجهزة – وأعني بها على وجه التحديد التلفزيون والإذاعة – عما كان يجري على الأرض من وقائع فوضى وتخريب واعتداءات وأعمال استحوذت تطوراتها على اهتمامات مجتمعية كبيرة وصارت حديث الشارع ، أرغمت المواطن أن ينكبّ لمتابعة تداعياتها ويتسمّر لملاحقة أحداثها على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة والمتنوّعة ومعها فضائيات وإذاعات أخرى ليست فضائيتنا وإذاعتنا من بينها ، وكأن الأمر لا يعنيها أو لا يدخل في وارد اهتماماتها أو أنها مسألة تحدث في غياهب أفريقيا أو غابات آسيا أو مجاهيل سيبيريا أو في مكان خارج جغرافية كوكبنا ( الأرض ) الذي تقارب الزمان والمكان فيه ، وباتت المعلومات والأنباء تتجول فيه بسرعة تكاد تقارب سرعة الصوت .

بل إن الكثيرين كانوا يتوقعون من فضائيتهم أن تحزن عصر يوم السبت الماضي فيتوقف فيها – على الأقل – الغناء والمهرجان ، وأن تشارك الجموع الذين خرجوا في مقبرة الجنبية لتشييع جنازة الشرطي شهيد الواجب أحزانهم ، تضامنا معهم واحتراماً لمشاعرهم فضلاً عن تقديراً – من فضائيتنا الرسمية – لدور هذا الشرطي الشهيد وبقية المصابين من أفراد الأمن في حفظ الأمن والسلم والاستقرار . لم يحدث ذلك لالشيء سوى أن عقليتنا في الإعلام ربما تعيش في زمن أو مكان آخر . وذلك مع اعتذاري واحترامي وتقديري للقائمين على الإعلام الذين بات عليهم أن يصدّقوا بالفعل أن الناس تتحرّق على حال هذا الإعلام .

ومن نافلة القول أيضاً : ماذا لو أخرت وزارة الثقافة مؤتمرها للإعلان عن فعاليات ربيع ماتسميه ( ثقافة ) إلى ما بعد انتهاء عزاء الشرطي ، شهيد الواجب تضامنا مع أحزان الناس وقلقهم من الأحداث . مراعاة المشاعر والعواطف أمر مطلوب ، وتأخير هذا الإعلان يومين أو أكثر لايضر . مع أن الأولى إلغاء هذا الربيع برمته  ، وهو الأفضل والأكثر أولوية لتعارضه مع أشياء كثيرة قد لايسمح المقام بنشرها لكننا الآن في أوج الحاجة إلى معيّة الله معنا لحفظ وطننا الغالي ، وهذه المعية الربانية لاتتأتى بوجود مثل هذا النوع من الثقافة التي تعرفونها .

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s