نافذة الجمعة

العراق في القلب ..

هو عنوان كتاب أصدره المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء للكاتب والباحث العراقي الدكتور علي القاسمي ، أهداه إلى ابنته علياء، التي ولدت في أحضان الغربة، وترعرعت بعيدة عن موطنها الأول ، العراق .
مقدمة الكتاب بمثابة قصيدة تبكي القلوب وتدمع العيون ، غاصت في بيان مكانة العراق وتاريخه ، يجدر بنا أن نستذكر أجزاء من هذه المقدمة لنعرف أو ( لنبكي) على أمجاد دنسها الاحتلال الأمريكي وتبعه الاحتلال الصفوي في ظل الضياع العربي والإسلامي. يقول المؤلف مخاطباً صغيرته علياء “صغيرتي، عزيزتي، بلدك العراق أحلى البلدان وأغلى الأوطان، تتعانق على أرضه المعطاء، قمم الجبال الشامخة الشماء، والمنائر الذهبية المشرعة في السماء، وأشجار النخيل الباسقة الأغصان، ويتهادى على أرضه بوداعة واطمئنان، نهران عظيمان هما دجلة والفرات أو الرافدان، يسقيان المزارع الشاسعة بكل سخاء، ويحيلان جدب الصحراء إلى حقول زاخرة بالخير والعطاء، والزنابق البرية الحمراء، وأزهار النرجس والقداح والياسمين، التي ترفرف عليها العنادل الصغيرة. بلدك العراق، يا صغيرتي، مهبط الرسالات السماويّة، ومنبع الأولياء والشهداء والصديقين، ففي سومر جنوبي العراق، بنى نوح سفينته لإنقاذ الصالحين من الطوفان، وفي مدينة أور العظيمة الواقعة قرب ناصرية اليوم، ولد ونشأ أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم، وحمل رسالة التوحيد وسار بها شمالاً وغرباً يُعرِّف الناس ربَّهم، ويعلِّمهم الدِّين الحنيف؛ لم تُرهبه نار، ولم تُخفه سجون . وعندما بزغ فجر الإسلام في مكة المكرمة، أشرقتْ شمسُه النيرة على بلاد العراق المتاخمة، فكانت البصرة أولى المدن التي اختطها المسلمون في مسيرتهم الظافرة لنشر الحق والعدل والخير والجمال على وجه الأرض”.
ثم يستعرض المؤلف مدنها ، فيقول عن البصرة ” مدينة ساحرة عجيبة، كان يسكنها قوم من عبقر، تُضرَب بذكائهم الأمثال، وتسير بأخبارهم الركبان. ومازلنا بعد مرور أكثر من ألف سنة نقرأ مؤلفاتهم القيمة، وننشد أشعارهم الجيِّدة، وأنتِ وكلُّ رفيقاتك في المدرسة ستقرأن في مقبل الأيام شيئاً عن الحسن البصري، وواصل بن عطاء، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه، والجاحظ، وأبي نواس، ورابعة العدويّة، وأخوان الصفا، وابن الهيثم؛ وجميع هؤلاء العباقرة وآلاف غيرهم كانوا من أهالي البصرة. وفي البصرة دُوِّنت أُولى كتب الفقه والحديث، وصُنِّفت بواكير المعاجم العربية، وجُمعت أشعار العرب لأول مرة، وَوُضع علم العروض، أي علم موسيقى الشعر وأوزانه، وهو علم يحتاج إلى معرفة بالشعر والرياضيات والموسيقى، وقد تجمعت تلك المعارف للعبقريّ البصريّ الخليل بن أحمد الفراهيديّ”
ثم يأتي على ذكر مدينة الموصل ، فيقول “هي أم الربيعين، ومدينة النبي يونس والصديقين، وهي مدينة الآشوريين العرب الأوائل الموحِّدين الذين جمعوا بين وادي النيل ووادي الرافدين، أيام مَلِكهم آشور بانيبعل. وعندما غزت جحافل الصليبيّين الأوروبيّين الشام ومصر باسم الدين، وقتلوا اليهود في بِيَعهم، وأجهزوا على المسيحيين في كنائسهم، وذبحوا المسلمين في مساجدهم، واحتلوا ديار العرب واستعمروها، هبَّ أشاوس العراق من الموصل ذاتها بقيادة زنكي عماد الدين، لنجدة أخوتهم المنكوبين، ثم وحَّدَ قائدُ الجيش صلاحُ الدين، مصرَ والشامَ ليواجه الصليبيين، وينتصر عليهم في معركة حطين، ويحرِّر المسجد الأقصى والقدس عاصمة فلسطين. وبعد هذا وذاك فالموصل هي المدينة التي وهبت للمكتبة العربية مصنفات ابن جني عميد اللغويين العرب، وكتابَ الكامل في التاريخ لابن الأثير، والآلاف من الأعمال الفكرية الخالدة”
أما بغداد، يا صغيرتي، فحدِّثي ولا حرج، إذ إنها لم تكن عاصمة العراقيين فحسب، وإنما كانت كذلك عاصمة العرب والمسلمين، وحاملة شعلة الحضارة الإسلامية أيام توهّجها وإشراقها على الكون. كانت بغداد تتوهّج بالفكر الأصيل، وتشعّ بالعِلم النير، وكان يَرِدُ على جامعاتها كبارُ العلماء من مشارق الأرض ومغاربها لاستكمال دراساتهم العليا وإجراء بحوثهم المتقدِّمة، وكان طلبة العِلم يفِدون إليها من جامعات قرطبة وإشبيلية وغرناطة ونيسابور وبخارى والسند والهند يتبركون بأعتابها، وينهلون من منابعها المُنبثّة في جامعاتها ومكتباتها ومراكزها العلمية وصدور رجالاتها. في بغداد الفلسفة نشر فيلسوف العرب الكندي أروع أفكاره، وفي بغداد الآداب دُوّن كتابُ الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وفي بغداد الطبِّ نظّم الرازي أرفع المستشفيات، ومن بغداد الموسيقى رحل زرياب إلى تونس والمغرب والأندلس يحمل عودَه وغربتَه وينشدُ أغانيه وألحانَه على طريقة الشعراء المغنِّين البدو الذين يحتضنون ربابتهم كما يحتضن الجريح جراحه ويجوبون القرى والآفاق. وفي بغداد الترجمة نُقلت إلى العربية فلسفة اليونان، وعلوم الهند، وآداب الفرس، وفي بغداد التعليم ازدهر بيتُ الحكمة والجامعةُ المستنصرية والمدرسةُ النظامية، وفي بغداد الفقه برز الأئمة الشافعي وابن حنبل والغزالي، وفي بغداد التصوف ينتصب ضريح عبد القادر الجيلاني ويُصلب الحلاج، وفي بغداد القصَّة أُلفت قصص ألف ليلة وليلة، وفي بغداد الترف والتسلية فَتحت أولُ المقاهي العامة أبوابَها قبل ألف عام ونيف هنا وهناك في الأُمسيات الجميلة ذات النسيمات العليلة، في الشوارع الأنيقة، المضاءة بالمصابيح والفوانيس الزيتية، قبل الكهرباء وعصر الكهرباء، وقدَّمت لروادها القهوة لأوَّل مرة في التاريخ يحتسونها وهم يلعبون الشطرنج والنرد والدومينو، وفي بغداد الجمال تغنى الشعراء:
عيونُ المها بين الرصافةِ والجسرِ جلبنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
وبلدك العراق، يا ابنتي، هو الجناح الأيمن لصقر الوطن العربي الناشر جناحيه بإباء وشمم من الخليج إلى المحيط، فإذا كان صقرنا اليوم مهيض الجناح، فلا بُدَّ للجرح أن يندمل غداً، ولا بُدَّ للصقر أن يحلق ثانية في أجواء العُلا والمجد والسؤدد. سينهض العراق غداً من بين الأنقاض مثل عنقاء أشوريّة تنتفض من رمادها وتحلق في أعالي السماء. وستقوم عشتار تنشر الحُّبَ والخصبَ والنماء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s