راصد

مسرحية الشرطي والحرامي

لسنوات طويلة مضت ؛ كان الاعتقاد السائد أن الجمهورية الإيرانية الإسلامية هي العدو الأول للولايات المتحدة الأمريكية ، وأن تلك الجمهورية حاملة لـ ( بيرق) محاربة الإمبريالية والاستبداد الأمريكي ، وأنها تتوعده بتلقينه صنوفاً من المذلة والمهانة فيما لو قرّر المساس بالسيادة الإيرانية أو توجيه أية ضربة عسكرية لها . ليس ذلك فحسب ، وإنما كانت صور المسيرات والمظاهرات في طهران تحمل شعارات ذات عبارات نابية ضد الأمريكان ، وحتى وسائل إعلامهم كانت تردد ( الموت لأمريكا ).
( الشيطان الأكبر ) وصف لاتكاد تخلو خطابات العلماء والساسة في إيران من هذه اللفظة حينما يتحدثون عن أمريكا حتى أصبح مرادفاً لها في أدبياتهم ، ويتحدثون عن غطرستها وتعاليها بحيث يشعر متابع تلك الأوصاف والمراقب لهذا التراشق والاتهام أن كرهاً دفيناً وعداء مستحكماً قد سيطر على علاقات البلدين ، يستحيل معه أن يحدث أي تلاقي أو تفاهم ، وأنهما نقيضان – أي أمريكا وإيران – على شفا حرب مهلكة ، لامحالة . خاصة وأن التصريحات الأمريكية تجاه جمهورية إيران لاتقلّ سوءا عن الطرف الآخر ، حيث التهديد والوعيد لايتوقف بشأن مايسمونه الأسلحة النووية وتخصيب اليورانيوم في إيران ، بل في بعض الأحيان تتحرك بوارج حربية وحاملات طائرات لتمخر عباب مياه الخليج العربي بشكل يُظن إزائه أن الحرب أو الضربات العسكرية إنما هي قاب قوسين أو أدنى .
كان هذا هو الاعتقاد السائد إلى أن شاءت إرادة المولى عز وجل أن تكشف زيف هذا العداء وتظهر للعيان حقيقة لعبة كرّ وفرّ في إقليم الخليج العربي شبيهة بألعاب ( البلاي ستيشن ) وأن مسرحية حمِلت عنوان ( الشرطي والحرامي ) رُسمت أدوارها وبطولاتها بعناية فائقة لتمرير صفقات وتوزيع أو تقاسم غنائم بين الاثنين – أمريكا وإيران – كان ضحيتها المشاهدون لفصول تلك المسرحية من السّذج والبسطاء الذين لايزال بعضهم يتابع تلك المسرحية من دون أن يفهم أنها مجرّد تمثيل لا أساس لها على أرض الواقع .
خلال عروض تلك المسرحية ( الشرطي والحرامي ) تم احتلال أفغانستان وتشريد أهلها وتدمير دولتها وكيانها على النحو الذي ترونه ، وذلك عن طريق العدوين الحميمين ( بطلي المسرحية ) وقد قال الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني عن هذا الإنجاز في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 9/2/2002 ” إن القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، وأنه لو لم تساعد قواتهم في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني ” !!
أما إنجاز هذين البطلين في العراق فقد كشفه السيد محمد على أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية في تصريح مشهور جداً في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل بتاريخ 15/1/2004 ” أن بلاده قدّمت الكثير من العوْن للأمريكيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق” ومؤكدًا أنه ” لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة” !!
الأيام القادمة حبلى بالكثير من إنجازات – ربما – لاتقلّ سوءا عن الإنجازات السابقة لمن مثّل علينا أدوار الشرطي والحرامي .
سانحة :
من المشاهد المثيرة في مسرحية الشرطي والحرامي أنه حينما جاءت الولايات المتحدة الأمريكية بقضّها وقضيضها في عام 2003م وحشدت قواتها البرية والجوية والبحرية وغزت العراق واحتلته احتلالاً عسكرياً ، حينذاك ؛ لاذت المرجعيات الشيعية بالصمت والسكون ، لم تعلن جهاداً ، ولم تدعو لمقاومة محتل ، ولم تناد لمحاربة ظالم وغازي غاشم ، ولم تصدر فتوى شبيهة بالتي أصدرتها هذه الأيم بوجوب الجهاد ومقاتلة الثوار .. ومع ذلك هناك من لايزال يريد أن يصدق أن الشرطي والحرامي قصة حقيقية بين الأمريكان والإيرانيين وليست تمثيلية عبثية هزلية .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s