راصد

من أبلغ الدروس الوطنية

لعل أبلغ الدروس في القيم والأخلاق هي التي تأتي بصورة عفوية لتعبّر عن سمات وصفات قد تأصلت في الإنسان وتجذّرت ، فصارت ممارسة طبيعية في حياته ، لاتحتاج إلى أن يتكلّف أو يتصنّع الظهور بها أمام (المايكرفونات) وأضواء ( الكاميرات ) . ولربما موقف أو نموذج عفوي واحد تغلّب في أثره على عشرات أو مئات المحاضرات والدروس والكتابات التي غالباً ماتكون جامدة وجافة لاتدبّ فيها الحياة طالما أنها بعيدة عن الممارسة الحقيقية .
وحبّ الوطن من أكبر تلك القيم التي مهما قيل عنها أو كُتِب من قصائد وأغاني ؛ تبقى فاقدة النبض والحيوية مالم يكن الصدق والإخلاص والتضحية ملمحاً بارزاً فيها خاصة بعدما اختلط الحابل بالنابل ، والصادق والكاذب ، ودخل على خط الكلام عن الوطنية والانتماء أصحاب مصالح ورعاة فتن ورويبضات لاعلاقة لهم بالوطن .
أجدادنا وآباؤنا وأمهاتنا ، ممن ترعرعوا على تراب هذا الوطن الغالي ، عاشوا فيه ( الحلوة والمرّة ) و( حكّتهم ) المعيشة وعرفوا البحرين بـ ( ناسها وشيوخها ) وصارت سني حياتهم خبرة ، بل مدرسة لوحدها ؛ هم أكثر من يمكن أن نستلْهم منهم كيفية حبّ الوطن ، الحبّ الخالص للبحرين ، الحبّ المبرّأ من أية أغراض ، الحبّ العفوي لأهلها وقادتها و( للجواز الأحمر ) . ولذلك حينما قبّل الوالد الفاضل عبدالله الوزان أطال الله في عمره جوازه – بكلّ عفويّة – وهو يسلّمه للمنظمين في إحدى لجان الاقتراع تم تصويره وانتشر هذا التصوير في الآفاق ، وتأثر له مئات وربما آلاف المواطنين ، وأعرف أن بعضهم لم يمسك دموعه وهو يتلقى هذا الدرس الرصين في الوطنية من الوالد والعم عيسى الوزان .
تذكرت وأنا أشاهد هذا التسجيل موقفاً رائعاً آخر ، حضرته بنفسي وكتبت عنه إبّان الأحداث المؤسفة التي مرّت بها البحرين ، أثناء تجمع الفاتح الكبير ، حيث وقفت آنذاك بالقرب من مواطن وزوجته ، كان كل واحد منهما يحمل عَلَماً للبحرين ، كانا كبيرين في السن ، في عمْر الأجداد والجدّات ، إذا لم يخنّ التقدير فإنهما ربّما في السبعين من سني أعمارهما المديدة إن شاء الله ، أستغرب كيف استطاعوا المجيء في ذاك الزحام والزخم التاريخي المشهود ، لفت انتباهي أنه حينما أنشد الشيخ الفاضل بوراشد ، مشاري العفاسي أنشودته الرائعة عن البحرين ” انتي العنوان ” قام هذا المواطن وزوجته يرفرفان بعلم البحرين ، ولاحظت على وجهيهما نوعاً من البَلَل الذي حسبته ( عَرَق ) . لكني سرعان ما استدركت أن الجو البارد آنذاك لاينزّل من الإنسان ( عَرَق ) وتبين لي أن هذا البَلَل إنما هي دموع غزيرة ومدْرارة تعبّر بكل فخْرٍ وإعزاز عن وطنيتهما وحبّهما للبحرين . هكذا هم أجدادنا وآباؤنا وأمهاتنا في حبهم وولائهم للوطن و( لجوازهم وعلَمِهم الأحمر ) ، هم يعطوننا دروساً عفوية ، لكنها من أبلغ الدروس الوطنية .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s