راصد

فضمّتها إلى امبراطوريتها

قصة الثور الأبيض أصبحت حاضرة بقوّة في حياتنا ، نسردها ونكرّرها وربما نستمتع بفصولها لكننا للأسف الشديد لانعتبر منها ، ونظنّها لاتعنينا ، ونحسب تفاصيلها أنها في عالم الحيوان دون أن ندري أن ذلك العالم ؛ حري بنا أن نتفكّر في دقته ونظامه وحكَمِه البالغة . القصة التي أعنيها نستذكرها عند كل مصيبة كبرى تحلّ بنا فنردّد إزاءها كلمة التحسّر المشهورة ” لوأننا فعلنا كذا ماحصل كذا ” .

هذه القصة  ليست مقصورة على حياة الأفراد فقط إنما هي أيضاً حاضرة في حياة الجماعات والدول مادامت غرائز التعصب وحبّ الذات والأنانية تسيطر على واقع الحال ، ويحسبون في هذا السلوك منجاة أو سبب بقاء لهم دون أن يدركوا أن الكل ( الكل ) أمام العدو أو الأعداء ينتظر دوره ، واحدا تلو الآخر ، بحسب درجة الخوف أو الأنانية أو مستوى السذاجة وسطحية الفكر .

قصة الثور الأبيض ، هي قصة رائعة من قصص الحيوانات سُجّلت في أحد أروع كتب التراث والتاريخ ، وهو كتاب ” كليلة ودمنة ” قبل أن تصبح مثلاً مشهوراً نمضي في ضربه إزاء حالات ضعف وفرقة تتحجّم فيها المصالح ويضيق بشأنها الأفق فتكون أشبه بقصة نعيشها في واقعنا ونحسّ بها أمام الكثير من مشكلاتنا وأزماتنا وفرقتنا ونرجع إليها أسباب ما يمكن أن نتعرّض له من معارك أو صراعات لم تكن لتحدث لو اعتبرنا بما آلت إليه نتائج هذه القصة .

سقوط العراق والتهام لبنان وقبلهم فلسطين واليوم ابتلاع اليمن ، والحبل على الجرّار ، كلّها قصص وحكايات مستوحاة في ناتجها النهائي من ضعفنا وتخاذلنا وتخلّينا ابتداء عن مباديء الاحتضان والرعاية والحماية ، ولوازم وحدة المصير والدفاع المشترك ، الأمر الذي أدّى في محصلته أن تقع هذه الفواجع ، ويزداد الفقد والتهتّك في أمتنا العربية والإسلامية .

لاحاجة لي لزيادة التفصيل لأن في القصص الرائعة أفضل بيان ، حيث تقول هذه الرائعة التي مضت مثلاً مشهوراً وعنواناً يردده المخلصون أمام أخطار جمّة يرونها ويترقبونها لكنهم لايملكون إلاّ الإحالة إلى هذه القصة التي كان أبطالها ثيرانا ثلاثـة تواجدوا  في أَجَمَةٍ  ( أَجَمَة : مكان فيه شـجر صغير وكثيف وملتف ) وكان واحدا من هذه الثيران أبيضا، والآخر أسود ، والثالث أحمر، وكان في هذه الأجمة أسد، فكان الثيران الثلاثة لاجتماعهم لا يقدر عليهم أحد ، فأخذ الأسد يفكّر كيف يتغلّب على هذه الوحدة.  وذات يوم قال الأسد للثورين الأحمر والأسود : إن وجود الثور الأبيض بيننا خطر علينا ، لأنه يدلّ علينا ببياضه ، أما أنا وأنتما ، فألواننا متماثلة ، فلو تركتماني آكله ، صفت لنا الأجمة.  فقالا:  دونك فكُله ، فأكله.

ومضت أيام وجاء الأسد إلى الثور الأحمر وقال له : إن لوني مثل لونك ، فدعني آكل الثور الأسود ، لتصفوا لنا الأجمة. فقال الثور الأحمر: دونك فكُله، فأكله. ولم يبق في الأَجَمَة إلا الأسد والثور الأحمر، ورأى الأسد أنه قد تمكّن من هذا الثور بعد فقده أخويه ، فقال له : أيها الثور، سآكلك لا محالة ، فقال له الثور: دعني أنادي ثلاثاً. فقال الأسد: افعل . فنادى الثور بأعلى صوته : ( ألا إني أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض) . وذلك في إشارة إلى تفريطه في أخويه وخذلانه وتخلّيه عنهم وتواطئه مع الأسد ( العدو ) ضدّهم بالضبط كما حدث مع اليمن حينما تأخرنا عن – على الأقل – ضمّها إلى دول مجلس التعاون الخليجي فضمّتها الآن إيران إلى امبراطوريتها ..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s