راصد

وفود الغرْبان

استقر عند العرب منذ القدم «أنه كلما كثر نعيق الغربان في مكان فهناك دلالات على أن هناك شيئا ما يُدبر فوق الأرض، فإما أفعى تريد أن تتلقف الصغار في عشها أو ثعلب أو ذئب يكشّر عن أنيابه للبدء في المكر بالانقضاض على وجبة جديدة».
وقد نشأ هذا الظن من مقدار القبْح والإزعاج و(القرف) الذي يسببه صوت الغراب فضلاً عن الكآبة التي يمثلها لونه الأسود وما اشتهر عنه من أنه آكل للجيف، يعتمد على صيد غيره، وعادة ما يكون الأول في أي مشهد للخراب وما شابهها من صفات وأعمال جعلته مكروهاً ومصدراً للشؤم والحزن وتوقع الشر أينما حلّ أو ارتحل حتى أن بعض العرب كانوا إذا سمعوا نعيقه يحجمون عن السفر أو إقامة أفراحهم ويؤجلون مناسباتهم خوفاً مما قد تؤول إليه أحوالهم.
وردت في الغراب أحاديث نبوية شريفة من أشهرها قوله عليه الصلاة والسلام: «خمس من الدواب كلها فاسق لا حرج على من قتلهن: العقرب والغراب والحدأة والفأر والكلب العقور»، كما ورد ذكر الغراب في سورة المائدة في قوله تعالى: «فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ». وذلك عند قصة قابيل وهابيل حينما قتل أحدهما الآخر وتركه في العراء لأنه لا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى التراب عليه. فكان الغراب أوّل «حانوتي» عرفته البشرية.
وعلى ذلك صار الغراب في أعراف الناس ومصطلحاتهم الشعبية نذير شؤم وسوء لا يستطيعون إخفاء قلقهم وامتعاضهم كلّما رأوه أو سمعوا صوته. ثم تطوّر استخدامه في الوعي الجمعي عند الناس ليكون رمزًا للسوء والتطيّر أمام أي حالة يخافون منها، ولم يعد اللفظ محصوراً على الغراب كطير فقط في عالم الطير والحيوان، ليتعدّى بعد ذلك في زماننا الحاضر من كونه مصطلحاً في موروثنا الشعبي فقط ليدخل عالم السياسة يمكن أن نطلقه على شخصيات ووزراء ووفود أمريكية وروسية وأوروبية تزور هذه الأيام بلداننا وتتجوّل في خليجنا العربي تظهر بلباس الحمائم الوادعة وحماة الأمن والاستقرار ودعاة حقوق الإنسان بينما هي في حقيقتها غربان سود تقتات على الدماء والأشلاء، ووراءها ما وراءها من الشرّ والشؤم الذي نسأل المولى عز وجل أن يحفظ أوطاننا من شرورها، ما ظهر منها وما بطن.
سانحة:
تقول العرب في قواميسها إن الحروف المكوّنة لاسم الغراب تعني (الغين: غدر وغرور وغمّ وغلة وغرة وغول- وهي كل مهلكة. والراء: من رزأ وردع وردى- وهو الهلاك. والألف من الألم. والباء من بلوى وبؤس وبرح وبوار).

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s