المقالات

احذروا “أبوالمرقال”

منشور اليوم في جريدة الشرق القطرية : http://cutt.us/R6DHK

ويُقصد به طائر الغراب، الذي هو من أحد الفواسق الخمس التي أجازت الشريعة الإسلامية قتلهن، وورد في ذلك حديث شريف للمصطفى صلى الله عليه وسلّم، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: “خمس من الدواب كلها فاسق لا حرج على من قتلهن: العقرب، والغراب والحدأة والفأر والكلب العقور”

أما في القرآن الكريم؛ فقد ورد ذكر الغراب في سورة المائدة في قوله تعالى: “فَبَعَثَ الله غُرَابًا يَبْحَثُ في الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”. وذلك عند قصة قابيل وهابيل حينما قتل أحدهما الآخر وتركه في العراء لأنه لا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه. فكان الغراب أوّل “حانوتي” عرفته البشرية.

وأما العرب فإنها تقول في قواميسها إن الحروف المكوّنة لاسم الغراب تعني (الغين: غدر وغرور وغمّ وغلة وغرة وغول – وهي كلّ مهلكة. والراء: من رزأ وردع وردى – وهو الهلاك. والألف من الألم. والباء من بلوى وبؤس وبرح وبوار”.

وعلى ذلك صار (الغراب) في أعراف الناس ومصطلحاتهم الشعبية نذير شؤم وسوء لا يستطيعون إخفاء قلقهم وامتعاضهم كلّما رأوه أو سمعوا صوته. وقد أورد الجاحظ في كتابه الحيوان “أن الناس يتشاءمون به ويتطيرون منه حتى أنه يُقال إن العراقيين لا يسافرون ولا يتزوجون إذا ما نعق غراب على مسامعهم”. وأصبح في الوعي الجمعي عند الناس رمزًا للسوء والتطيّر أمام أي حالة يخافون منها. فهو يُعرف بين الطيور وعموم الحيوانات بأنه آكل للجيف، يعتمد على صيد الغير، وعادة ما يكون الأول في أي مشهد للخراب وما شابهها من صفات وأعمال جعلته مكروهًا ومصدرًا للشؤم والحزن وتوقع الشر.

قيلت عنه الأشعار والقصائد واحتلّ مراتب متقدّمة في الأمثال الشعبية. ولُقّب بصفات أو ارتبط اسمه – الغراب – بالكثير من الكنيات، مثل أبوحاتم، أبوحذر، أبوالجراح، أبو الشؤم، ابن الأبرص. لكن أشهرها (أبوالمرقال) حيث المرقال في اللغة تعني السريع والكثير الإرقال. وقد لاحظ العرب أن الغراب يمشي بطريقة غريبة لا تشبه مشية كل ذي قدمين، وقد لخص أحد الشعراء ذلك في هذه الأبيات:

إن الغراب وكـــان يمشي مشية

فيما مضي من سالف الأجيال

حسد القطاة ورام يمشي مشيها

فأصــابه ضرب من العقـــــال

فأضـــلّ مشيته وأخطأ مشيها

فلذاك سموه أبا المرقــــــــــال

حتى رؤيته في المنام مزعجة وتنطوي على شرور كثيرة بحسب مفسّري الأحلام، ومنهم ابن سيرين رحمه الله الذي ذكر: من رأى في المنام أن غرابا يحدثه فإنه ينجب ولدا فاسقا. أو أنه يصاب بالهموم الشديدة والغموم القاسية ثم يفرج الله عنه. والغراب فيه دلالة على فراق الأحبة والغربة.

غير أن مصطلح (الغربان) تعدّى عالم الطير والحيوان، وبدأ يدخل في عالم السياسة خاصة في السنوات القليلة الماضية، وصار يُستخدم بشكل متزايد تجاه زيارات وجولات لشخصيات أمريكية وغربية تزور بلداننا وتقدّم نفسها كحمائم للسلام ودعاة للإصلاح والحريات والديمقراطية وحماة لحقوق الإنسان بينما هي في حقيقتها إنما (غربان) آكلة لحوم وجيف، تقتات على الدماء والأشلاء، ووراءها ما وراءها من الشرّ والشؤم الذي لا يقلّ عماّ يُضفيه الغراب الحقيقي من تطيّر وسوء في الصوت والشكل والفعل، وندعو الله تعالى أن يحفظنا من شرورهم وما قد تتمخض عنه زياراتهم لأوطاننا هذه الأيام، وأن يعيد لأجوائنا صوت هديل الحمام وتغريد البلابل والعصافير بدلًا من تزايد نعيق أبو المرقال.

سانحة:

استقر عند العرب أنه كلما كثر نعيق الغربان في مكان فهناك دلالات على أن هناك شيئًا ما يُدبر فوق الأرض، فإما أفعى تريد أن تتلقف الصغار في عشها أو هناك ثعلب أو ذئب يكشّر عن أنيابه للبدء في المكر بالانقضاض على وجبة جديدة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s