المقالات

اردوغان وأوغلو .. مدرسة في الاختلاف

منشور في جريدة الشرق القطرية  http://www.al-sharq.com/news/details/420132

جرت العادة في عموم دول عالمنا العربي والإسلامي ألا يترك أحدهم منصبه برضاه و(عن طيب خاطر) وألا يتنازل عنه إلا في حالات وظروف نادرة جدا لعلّ أبرزها حالة الموت، وكلّما علا شأن هذا المنصب التصق به صاحبه أكثر فأكثر، وأصبحت مفارقته ضربًا من ضروب الاستحالة، بل وسيكون دونه خرط القتاد! ويمكننا بنظرة عابرة أو التفاتة بسيطة أن نكتشف زعماء وقادة أحلّوا قومهم دار البوار، وزرعوا الفشل والتخلف، وفضلوا البقاء على كراسيهم بلا إنجاز أو عطاء، وربما سالت دماء وأزهقت أرواح، وربما حرق البلاد والعباد من أجل أن يبقى في منصبه. ولا تنقصنا الأمثلة على هذا النوع من التردي والبؤس.

غير أن نموذج الحكم في تركيا منذ أن أمسك بناصيته -عن طريق الانتخاب- الإسلاميون ممثلين في حزب العدالة والتنمية على مدار أكثر من عقد من الزمان؛ بات يبهر الجميع، ويشكل في الكثير من محطاته روائع يصعب الحصول عليها في مكان آخر فضلا عن المثالية التي تذكرنا بنهج النظافة والنزاهة والإخلاص ومثلها من قيم الحكم الرشيد. ولعل هذه الروعة والمثالية في نموذج الحكم التركي خلال العقد الأخير هي التي جعلت من تركيا محط أنظار العالم ووضعتها في بؤرة الاهتمام بين مؤيد ومعجب ومتطلع وبين ناقم وحاقد ومتربص، وكذلك خائف من زخم الإنجاز وضخامة النجاح وقفزات التطور الذي حققته تركيا في عهد هذا النموذج من حكم الإسلاميين، سواء على مستوى المواقف السياسية التي أصبحت فيها تركيا رقما صعبا يُسمع لها ويُعمل لها ألف حساب ولا يتجاوزونها، ويتراكضون للتحالف معها، أو على المستوى الاقتصادي وما حققته من طفرات تنموية قضت فيها على مديونيتها وبرأت من عجوزات ميزانيتها، ووضعتها في مصاف أقوى اقتصادات العالم المتقدم أو غير ذلك من مستويات النهوض والتطور التي تحققت وليس مجال ذكرها الآن.

على أن تقديم السيد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي استقالته في نهاية الأسبوع الماضي، وهو في قمة عطائه وتألقه، والطريقة التي خرج بها من هذا المنصب الكبير شكّل في حدّ ذاته محطة أخرى من محطات الإبهار التركي، محطة تقول إن شخصيات الحكم التركي مثلما كانوا في فقه الائتلاف مدرسة؛ هاهم اليوم يعلنون عن مدرسة في فقه الاختلاف.

الرئيس أردوغان ورئيس وزرائه أوغلو؛ هما من أبرز شخوص الحكم التركي وأكثرهم شعبية، لا تسأل الأتراك عن مكانتهما وإنجازهما، فقد كفت عن الإجابة في ذلك صناديق الاقتراع التي أوصلتهما لقيادة بلد ينظر إليه اليوم كثير من أعدائه وأعداء الأمة الإسلامية بأنه المارد القادم. ويصعب التكهن -مجرد التكهن- بأن أحدهما سيترجل عن منصبه وهو في منتهى تألقه ونجاحه.

في الظروف الزمانية والمكانية التي اعتدنا عليها نتوقع أن ينشأ بين الزعيمين صراع نفوذ أو مؤامرات في الخفاء أو عمليات تسقيط وتشويه أو حتى انقلاب؛ لكن أحدهما لم يفكر في ذلك، فقد كانت تركيا هي عينهم ومصلحتهم، وكانوا يرون في المناصب وسيلة وليست غاية، ولذلك لما أحسّ أوغلو، وهو رئيس الوزراء باحتمالية نشوء أو تزايد الخلاف مع الرئيس أردوغان في طريقة إدارة الحكم ومستوى الصلاحيات والاختصاصات؛ فضّل أن يخرج بهدوء وألاّ يكمل السنوات الأربع المتبقية له، فيثبت بأنه ليس من طلاب المناصب ولم يسع إليها، ولا تشكل له أي قيمة إلا بقدر ما يستطيع إضافته لوطنه من خلال هذا المنصب، فإذا ما أحسّ أن هنالك إعاقة تتسبب في تنفيذ إنجازه والقيمة التي يريد تحقيقها لوطنه؛ قرّر التنحي مع احتفاظه بكامل علاقته مع الرئيس والحزب الحاكم وكذلك رصيده الشعبي.

سانحة:

على خلاف المعتاد والتوقعات وربما الأمنيات بأن يشنّ أوغلو إبّان استقالته هجومًا وحربًا على رئيسه أردوغان ويفجّر أسباب الخلاف أو حتى (يفجُر) في خصومته، أو أن يُحدث انقسامًا في الحكم أو الحزب؛ أبدًا على خلاف كل هذه التوقعات والأمنيات فقد أعلن أوغلو في مؤتمره الصحفي عن الاستقالة: “لم يسمع مني يوما أي أحد ولن يسمع أحد كلمة تقدح في الرئيس أردوغان، ولن أسمح بأي تكهنات أو إشاعات حول علاقتي معه ولا أرضى بالتشكيك في ذلك، شرفي من شرفه، وسأحافظ على العلاقة الشخصية مع الرئيس أردوغان ومع عائلته كما كنّا على مدى ٢٥ سنة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s