المقالات

تحريم سدّ الشوارع عند المراجع الشيعية

منشور في جريدة الشرق القطرية

http://www.al-sharq.com/news/details/430444

للاستباحة في اللغة والاصطلاح معانٍ كثيرة ومدلولات دقيقة لتعلقها بالحلال والحرام، وصلتها بالجواز والمنع، وما من ممارسة في حياة الناس إلاّ ولها رابط من معاني مصطلح الاستباحة التي تعني في اللغة: استباح الأمر؛ أي عدّه مباحًا وغير ممنوع وبالتالي أقدم على فعله اعتمادًا على أنه مباح وغير ممنوع. أما في الشرع فإن للاستباحة أحكاما وجزاءات كثيرة موجودة في عموم المذاهب الإسلامية على تنوّعها. وتأسيسًا على ذلك فإن الاستباحة كلّ لا تتجزأ في معانيها وتفسيراتها. وبالطبع ليس مثلي من يستطيع أن يخوض في أحكام الشرع الحنيف لكنني منذ اندلاع الأحداث المؤسفة في مملكة البحرين عام 2011م كانت تساورني أسئلة عديدة حول مشروعية بعض الأمور التي يجري القيام من قبل الطائفة الأخرى (الشيعة) ويعدّونها من الممارسات (الثورية) و(الاحتجاجية) بحيث أنها كادت –من كثرة تكرارها- تصبح شأنًا معتادًا. وذلك من مثل شلّ الحركة في الشوارع والطرقات وغلقها بإشعال الإطارات وسكب الزيوت أو زرع قنابل وهمية وما شابه ذلك من أعمال في الطرقات يتوقف بسببها المرور وتتعطل مصالح الناس وتتهدد أرواحهم وأمنهم، وتمثل اعتداء على ممتلكات عامة؛ كنت أتساءل عن كيفية استباحتها أو الدلالة والاستناد الشرعي لجعل مثل هذه الممارسات أمرًا مباحًا بما تحتويه من إثارة للخوف والرعب أو عقاب جماعي لعموم مستخدمي الطرق والشوارع التي يجري سدّها على هذا النحو.

في هذه الأيام اطلعت على بحث قيّم أعدّه –مشكورًا- أحد الباحثين المهتمين والمطلعين على الشأن البحريني، وهو السيد عبدالرحمن بن عبدالله السقاف تحت عنوان “ثورة البحرين بين التقليد والتزييف” يتضمن تأصيلًا شرعيًا عن قيم حبّ الوطن والانتماء له وأهمية الأمن والاستقرار في حياة الأوطان. كما تضمن بحثه ردودًا شرعية حول جملة من الأمور من الواضح أنه بذل جهدًا علميًا مشكورًا وبارزًا وموفقًا لبيانها والتدليل عليها. والأهم – بحسب وجهة نظري – فإن التأصيل الشرعي الذي استند عليه الباحث كان بنظرة شيعية مستمدة من مراجعهم وفقههم وأهل الاختصاص عندهم.

وكان مما وجدته في هذا البحث القيّم ما يتعلّق بسدّ الشوارع وإغلاق الطرقات حيث عرض فتاوى وأحكاما شرعية تخص عدم استباحة هذا الفعل وتحرّمه، بل ويلعن بعضها من يقوم بهذه الأعمال المؤذية. من ذلك ما رواه الكليني في كتابه: (الكافي)، (2/292) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “ثلاث ملعون من فعلهن: المتغوط في ظل النزال، والمانع الماء المنتاب، والساد الطريق المسلوك”. وفي رواية أخرى في الكافي (2/292) : ” ثلاث ملعونات ملعون من فعلهن: … والساد الطريق المعربة”.

كما قال المرجع أبو القاسم الخوئي، في كتابه: (منهاج الصالحين)، (2/169): “الطرق على قسمين نافذ وغير نافذ، أمّا الأول: فهو الطريق المُسمّى بالشارع العام والناس فيه شرع سواء، ولا يجوز التصرف لأحد فيه بإحياء أو نحوه، ولا في أرضه ببناء حائط، أو حفر بئر، أو نهر، أو مزرعة، أو غرس أشجار ونحو ذلك… والضابط أنّ كل تصرف في فضائه لا يكون مُضرًا بالمارة جائز”. وقد وافق الخوئي على هذا القول بنصه وتمامه المراجع التالية أسماؤهم:

1. المرجع علي السيستاني في (منهاج الصالحين)، (2/266).

2. المرجع وحيد الخراساني في (منهاج الصالحين)، (3/185).

3. المرجع محمد صادق الروحاني في (منهاج الصالحين)، (2/176).

4. المرجع محمد إسحاق فياض في (منهاج الصالحين)، (2/338).

ويذكر المرجع محمد حسين فضل الله، إذ يقول في كتابه: (فقه الشريعة)، (2/76): “ما كان الانتفاع بالشارع العام حقًا لعامّة الناس، فإنه لا يجوز لفرد منهم أو جماعة أن يتصرفوا في ذلك الشارع بأمور يرجع نفعها لهم خاصة، مثل بناء حائط فيه أو حفر بئر، أو نصب دكّة للجلوس أو لعرض البضاعة عليها، أو ضم جزء منه أو من رصيفه لحانوته ووضع البضاعة فيه أو غرس أشجار أو نحو ذلك من الأمور التي يتصرفها المالك عادة في ملكه حتى لو لم تكن مُضرة بالمارة؛ وكذا لا يجوز الانتفاع بالشارع أو رصيفه بما من شأنه إرباك حركة المرور وإزعاج المارة”.

وعلى ذلك فإن استباحة سدّ الشوارع وإيذاء العباد وتعطيل مصالحهم وحركة المرور فيها غير مبرّرة ولا تستند لأي دليل شرعي ومحرّمة عند كبار مراجع الشيعة الإمامية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s