المقالات

هكذا تُحفظ الأوطان

منشور في جريدة الشرق القطرية http://al-sharq.com/news/details/434088

ذكرت في هذا العمود المتواضع قبل حوالي شهرين، من الآن عندما افترق الاثنان، الرئيس أردوغان ورئيس وزرائه أوغلو؛ أن نموذج الحكم في تركيا منذ أن أمسك بناصيته – عن طريق الانتخاب الحرّ – الإسلاميون ممثلين في حزب العدالة والتنمية على مدار أكثر من عقد من الزمان؛ بات يبهر الجميع، ويشكّل في الكثير من محطاته روائع يصعب الحصول عليها في مكان آخر فضلا عن المثالية التي تذكرنا بنهج النظافة والنزاهة والإخلاص، ومثلها من قيم الحكم الرشيد التي دفعت الكثيرين – مؤيدين ومعارضين – لمتابعة وملاحقة غالب تفاصيل الأحداث التركية وتبعاتها.

ولعل هذه الروعة والمثالية في نموذج الحكم التركي ازدادت جلاء بعد الفشل الذريع للمحاولة الانقلابية الأخيرة، وبلغت حدودًا قصوى تصلح لأن تتحول مواقفها وأحداثها إلى مدرسة في الحكم قائمة بذاتها، وبدا واضحًا حجم الاهتمام – وربما – الانبهار المتنامي بالذات في أرجاء العالم العربي والإسلامي بالإنجاز والنجاح والتطوّر التركي، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو… إلخ.

دروس عدّة ألقاها علينا الأتراك مؤخرًا خلال إفشالهم للانقلاب، كلها محل إعجاب، أو للدقة محل دهشة واستغراب. دروس لا يمكن أن تخطئها العين ويصعب تجاوز إضاءاتها في زماننا الذي عزّ فيه رؤية مثل هذه الصور المثالية التي يأتي على رأسها حجم الحشود المليونية التي خرجت ليل الجمعة الماضية في غضون أقل من ثلاث ساعات استجابة لدعوة وجّهها لهم رئيسهم المنتخب (أردوغان)، وإنقاذًا للشرعية ودفاعًا عنها وحماية للديمقراطية، فامتلأت الميادين والمطارات والساحات في مختلف المدن التركية معلنة رفضها التام للانقلاب وتصدّيها الحازم للعصابة التي أرادت أن تسرق خيارات الشعب وتلتف على نظامه واستقراره، وتعود بهم لعصر الفوضى والانقلابات. كان لافتًا بالفعل حجم الحبّ والولاء الكبير الذي دفع بتلك الملايين الخروج إلى الشارع للتعبير عن قيمة الولاء التي تأصلت لديهم وحفرها النظام الحاكم التركي المنتخب عبر أكثر من عقد من الزمان في قلوب شعبه وأفئدته من نزولهم إلى معايش الناس والاقتراب الحقيقي منهم والعمل المخلص من أجل حاضرهم ومستقبلهم، ونظافة أياديهم من اللهو والعبث بثروات الشعب ومدخراته، وبالخوف من الله فيمن استرعاهم، وعدم تجرؤهم على السطو على أموال وثروات شعبهم ومقدّرات أجيالهم. فكان التطوّر والإنجاز التركي خارج المقاييس المعتادة في شتى المجالات، وبالتالي جاء ولاء الناس في تركيا – أيضًا – مخالفًا لحال أو صناعة الولاء للحكّام في غالب وطننا العربي والإسلامي ممن لا يرى بعضهم هذا الولاء إلا عن طريق زيادة صورهم وتماثيلهم في الشوارع والميادين والطرقات، ولا يفهمونه إلا بإقامة المهرجانات والاستعراضات وتدبيج الأهازيج ونظم القصائد والأغاني في مدح وثناء الزعيم أو القائد حتى إذا ما حان رحيله ومغادرته؛ تخلّى عنه حتى طباليه ومنافقيه وجوقة تضليله وخداعه. وكلنا رأينا مساء الجمعة الماضي صور تلك الحشود التركية المليونية وهي تحمل العلم التركي، والعلم التركي فقط، وليس غيره.

على أن الدرس التركي الآخر، الأكثر بلاغة في إفشال المحاولة الانقلابية هو الموقف الشجاع الذي اتخذته المعارضة التركية بشتى توجهاتها، ومن أكبر أحزابها. حيث أعلنت الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري منذ بداية التحركات الانقلابية عن رفضهما له وأعربا بكل وضوح عن مساندتهما للحكومة المنتخبة وللخيار الشعبي، وأكدا بلا تردد انحيازهما التام لشرعية الحكم وعدم التفريط فيها، وذلك رغم الخلاف الأيديولوجي والتنافس السياسي الشديد بينهم وبين الحزب الحاكم (حزب العدالة والتنمية). وذلك في سابقة قد تكون غير معمول بها إطلاقًا في كثير من البلدان، حيث الطرفين المتناقضين والمختلفين عادة ما يتمنى كل طرف منهما نهاية الآخر بشتى الطرق، حتى لو وضع يده في يد الشيطان، بل قد يكون الطرف المعارض جزءًا من المؤامرة أو الانقلاب نفسه.

الأحزاب التركية المعارضة رغم أنها علمانية في توجهها وتتنافس بشدّة على الحكم وتختلف مع الحزب الإسلامي الحاكم إلاّ أنها لم تتوان عن رفضها الانقلاب، بل إنها لم تؤثر الصمت وتنتظر ما ستفضي إليه التحركات الانقلابية وتترقب نتيجتها فتصطف حينئذ مع الطرف المنتصر ثم تبرر خيانتها وانتكاستها على الشرعية بأسباب واهية أو فتاوى في غير محلّها مثل (فتوى ولي الأمر المتغلّب)؛ لا لم تفعل المعارضة التركية شيئًا من ذلك؛ أعلنت رفضها ونزلت إلى الشارع مع بقية جموع الشعب تدافع عن الشرعية والديمقراطية مع أنها كانت في أوْج خلافها واختلافها مع الحكْم. إنه موقف مبدئي رائع يُحسب لهم ويحسب للنموذج التركي الرائع. هكذا تُحفظ الأوطان.

سانحة:

غالبًا ما ندير اختلافاتنا في مجتمعاتنا (المسكينة) على طريقة لعبة الكراسي الموسيقية، يركض الناس حول الكراسي، فإذا انقطعت الموسيقى جلسوا بهدوء، إلا اثنين، لا يجلسان حتى يدفع أحدهما الآخر ويكاد يطؤه كي يصل إلى الكرسي قبله، فالكرسي عنده مسألة بقاء أو انتهاء بقائه في اللعبة. بشكل أوسع فإن الاختلاف عندنا، إنما بين أعداد كبيرة، داخل اللعبة وخارجها، فالذين هم داخلها يتقاتلون ليبقوا داخل المشهد، أما الذين هم خارجها فيذكرونك بجمهور متعطش للدم، في مدرج مظلم، حول حلبة يتقاتل فيها اثنان، فتراهم يصرخون بأحدهما: (اقض عليه، اقض عليه).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s