المقالات

بين جنازة الجزار والنائب كوزو

منشور في جريدة الشرق القطرية 

http://www.al-sharq.com/news/details/446843

بينما العرب يطبّعون (ويطبعون) مع العدو الصهيوني ويجري تقديم التنازلات له حتى لم يبق من أنواعها شيء، مقرونة بصنوف من التخاذلات والإذلالات التي بعدما كانت تُقدّم في السر والخفاء صارت الآن تظهر إلى العيان، شاهر ظاهر. وأصبحت المهانة أمرًا معتادًا يمارسه بعض الساسة العرب وبدون حياء ولا خجل، حتى انطبق عليهم ما قاله الشاعر الهمام أبو الطيب المتنبي منذ قديم الأزمان:

من يهُن يسهل الهوان عليه ما لجرحِ بميّت إيلام

وبينما أصبحت القضية الفلسطينية شأنًا لا يهم عموم أنظمة الدول العربية إلاّ بما تستلزمه التصريحات والبيانات و(المدبلجات) الخطابية خاصة بعد انكشاف مايُسمى بـ(دول المواجهة) أو (دول الطوق) أو (دول الممانعة) وانفضاح دورها الدنيء في تقديم صنوف متنوّعة من الرعاية والحماية للكيان الصهيوني الغاصب.

وبينما قيَم إسلامية وإنسانية أصيلة مثل المروءة والشهامة والنخوة والنُصرة دخلت عندنا مرحلة الندْرة، وباتت تسير إلى الزوال وتدخل طي النسيان، فلا مشاهد قتل الفلسطينيين والسوريين والعراقيين تثير الشفقة ولا إراقة دمائهم تحرّك ساكنًا من شهامة، ولا تمزيق أشلائهم يحيي شيئًا من موات ضمير، ولا تجويعهم وحصارهم يستدعي منّا فزعة ونصرة.

وبينما حالة الانهزام والانبطاح وموْت الضمير وفقْد الإحساس، وظاهرة (السّحّ الدّح) تبلغ أوَج تجلّيات الخذلان والخيانة فيحزن ويترحّم بعض القادة والمسؤولين على وفاة رئيس الوزراء الأسبق للعدو الصهيوني شمعون بيريز، بل ويشاركون في تشييع جنازته في عاصمة الاحتلال غير آبهين بالجرائم التي ارتكبها والمذابح التي قادها ضد إخواننا الفلسطينيين، قتل أطفالهم ونساءهم، وسفك دماءهم، وهتك أعراضهم، وشرّد آمنيهم، واغتصب أرضهم، وعندما هَلَك وأخذه الله أخْذ عزيز مقتدر؛ وجَد هذا الجزّار من قومنا من يترحم له ويمشي في جنازته!

وبينما الحال على ذلك، وكأن الأقدار على موعد مع المقارنة والاعتبار؛ يظهر لنا نموذج من بلاد الإفرنج (العلوج) ليعطينا درسًا بسيطًا لكنه بليجا للانتصار للمباديء والثبات على المواقف وبقاء نبض الضمير، والانتفاض للحق والركون إلى الإنسانية والعدالة. النموذج الذي أقصده ليس مسلمًا ولا ينتمي للعروبة، لكنه اتخذ موقفًا يجدر بالعرب الاحتذاء به، خاصة أولئك المنهزمين والمنبطحين ممن شاركوا في عزاء وتشييع جثمان جزّار مذبحة قانا وديمونا وحي الشجاعية ومصّاص دماء مقتلة عناقيد الغضب، الهالك شمعون بيريز.

في الأثناء، ونحن على هذه الحال؛ اسم النائب الهولندي (توناهان كوزو) سجّل موقفًا مشرفًا طار به الركبان ووصلت الإشادة به إلى الآفاق حيث قام رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو بزيارة إلى المجلس البلدي في لاهاي، وصافح عددًا من أعضائه لكن النائب كوزو رفض يد نتنياهو عندما مدّها، وبقي واقفا ويداه خلف ظهره فيما أبدى نتنياهو حركة استهجان تم التقاطها وتسجيل هذا الموقف الذي سرعان ما انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي ونقلته الصحافة الهولندية.

النائب كوزو الذي كان يضع – أيضًا – على صدره وساما هو عبارة عن علم فلسطين عندما رفض مصافحة نتنياهو قال: “إنه من العار أن يتم فرش السجادة الحمراء لنتنياهو عند وصوله لاهاي بعدما فعله في قطاع غزة عام 2014” مبينًا أنه لا يتفق مع النهج الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل.

وغني عن البيان أن ساسة السلطة الفلسطينية وبعض العرب – من شدّة الذّل والانهزام – لا غضاضة عندهم اليوم في مصافحة الجزارين الملطّخة أياديهم بالدماء الفلسطينية، والتصوير معهم حتى (سيلفي) بل والمشاركة في مراسم دفنهم وتشييع جنازتهم كما هو حالهم مطلع هذا الأسبوع مع مصّاص الدماء الفلسطينية، النسخة الثانية من هتلر – كما يطلق عليه الألمان – ، الجزّار الهالك شمعون بيريز.

لعلّ تقدير المولى عز وجل أراد أن يظهر لنا في تزامن توقيت هاتين المفارقتين؛ أصول المعادن، طيبها وخبيثها، خلاصتها وتفثها، صافيها وخوّانها، وذلك في زمن عزّ فيه الرجال وضلّت المروءة والنصرة طريقها.

سانحة:

قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s