المقالات

مثل مواقف أباحسل

منشور في جريدة الشرق القطرية

http://www.al-sharq.com/news/details/453537

هي كنية يتم إطلاقها على (الضبّ) وجاءت في قصة ذكرها كمال الدين الدميري في كتابه الشهير “حياة الحيوان الكبرى” الذي يتناول فيه طرائف وغرائب من قصص الحيوانات وحكاياتهم في عالمهم الذي يعيشون فيه بدقة ونظام قد لانفقه كل تفاصيله لكن حريّ بنا أن نتفكّر في طريقة حياتهم ونتعلّم من تدبيرهم لمعيشتهم، فلعلّنا نستقي منها شيئًا يعدّل من أطباعنا ويهذّب مشاعرنا ونعتبر بها في سلوكنا.

القصة التي أعنيها أخذت عنوان “من بيته يؤتي الحكم” حيث يروي المؤلف مما زعمه العرب على ألسنة البهائم قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب، فقالت الأرنب يا أبا حسل (كنية الضب)، قال سميعًا دعوت، قالت أتيناك لنختصم إليك، قال عادلًا حكَّمتما، قالت فاخرج إلينا، قال في بيته يؤتى الحكم، قالت إني وجدت تمرة، قال حلوة فكليها، قالت فاختلسها الثعلب، قال لنفسه بغى الخير، قالت فلطمته، قال بحقك أخذت، قالت فلطمني، قال حر انتصر لنفسه، قالت فاقض بيننا، قال قضيت.

بمعنى أن الضبّ (أباحسل) لم يستطع أن يتخذ موقفًا ولم يقض بحكم فيما عُرض عليه، وإنما حاول أن يرضي كل طرف حسبما شاء الطرفان. بل وصل تقلّبه حالة دوران كاملة أو مثلما يسمونها من الأبيض إلى الأسود وبالعكس.

استذكرت هذه القصة من عالم الحيوان هذه الأيام عندما شاهدت مقدارًا كبيرًا من التحوّلات والتغيرات في مواقف بعض الكتّاب والنشطاء ممّن كانوا قد سلّطوا سهام أقلامهم وأسنّة حروفهم في فترة سابقة نحو تركيا ؛ انتقادات لا أوّل ولا آخر لها، هجوم لاذع على رئيسها وحكومته، حالة ترصّد وتتبّع للهفوات والزلاّت تجاوزت في كثير منها حدود المبالغة وانتقلت للتلفيق والفبركة. بعضهم تخصص بشكل شبه يومي في الكتابة عن الشأن التركي على هذا النحو البائس. وبالطبع كانت الأسباب معلومة، وهي تتعلق في مجملها بمعاداة انتماء القيادة التركية الحالية وقربها من جماعة الإخوان المسلمين.

غير أن هؤلاء الكتاب والنشطاء الذين كان تخصصهم الرّدح في الشأن التركي، تشويها وتلفيقًا وتحريضًا و… إلخ ؛ قد انقلبوا فجأة هذه الأيام بعدما زادت دول مجلس التعاون الخليجي من تقاربها مع تركيا وتضاعف التأييد لسياستها والوقوف مع شرعيتها ودعم مواقفها بالأخص في سوريا والعراق. وبالتالي أصبح – هؤلاء الكتاب والنشطاء – مثل صاحبنا (أباحسل): من دون مباديء، وبدون مواقف يثبتون عليها.

حالة أمثال هؤلاء المنافقين و(الطبّالين) مزرية ومثيرة للاشمئزاز، ليس عن الشأن التركي فحسب وإنما عملية الدوران والتقلّب بحسب أموال أو مزاج المسؤولين وأهوائهم في كثير من القضايا والظواهر التي يمكن مدحها اليوم ثم انتقادها في اليوم التالي. الزعماء والقادة وعموم المسؤولين يحتاجون إلى من يصدقهم القول ويخلص لهم الرأي، ولا يحتاجون إلى أصحاب (أباحسل).

سانحة:

قال تعالى ” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضربَ الله مَثَلا كَلمةً طَيِّبةً كشجرةٍ طَيِّبةٍ أَصْلُها ثَابتٌ وفرْعُها في السَّماءِ، تُؤتي أُكُلَها كلّ حين بإِذنِ ربِّها ويضْرِبُ الله الأمثال للنّاسِ لعلَّهُمْ يتذَكّرون، ومثلُ كلمةٍ خبيثَةٍ كشجرةٍ خبيثَةٍ اجْتُثتْ من فوق الأَرضِ ما لَها من قرار، يُثَبِّتُ الله الَذينَ آَمنوا بالقوْلِ الثَّابتِ في الحياةِ الدُنيا وفي الآَخرةِ ويُضِلُّ الله الظَّالمينَ ويفْعَلُ الله ما يشاء”.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s