المقالات

مبادرة طلاب مدرسة الهداية البحرينية 1980

منشور في جريدة الشرق القطرية

http://www.al-sharq.com/news/details/457313

في سابق الأيام الجميلة ، وما أكثرها ، وما أكثر مانشتاق إليها أو نحنّ إلى طيفها بعدما صارت من الذكريات التي غالباً ماندافع الدموع عند حضورها ؛ في تلك الأيام كان لزمالة الدراسة شأن آخر ، لاينافسها في متانة العلاقات أي شيء ، ويصعب مقارنتها بأية علاقات أخرى عند الرجوع إليها . حيوية الالتقاء بهؤلاء الأصحاب تخفف من صعوبة تحمّل الدراسة وتقلل – ربما – من كرهنا لها ، ولايوجد مايشجعنا للانتظام فيها أكثر من حبّنا وشوقنا لصحبة الدراسة وزمالة ( الشقاوة ) ورفقة (البراءة).

غير أنه بعد التخرج من المدرسة تتفرق – عادة – تلك الجموع وينشغلون بصروف ومشاغل عدة ، وتشتت استمرار لقاءاتهم أمور مثل الالتحاق بالجامعة أو الانضمام إلى سوق العمل ، ثم الزواج وتكوين أسر ، وربما التقوقع مع الأبناء وتلبية الاحتياجات المعيشية التي قد تتطور إلى حد الانغماس في ملاحقة تلك الاحتياجات وإضعاف أو قطع سائر العلاقات مع الأهل والأقارب وماتبقى من أصدقاء لم تعد تجمعهم حفاوة اللقاء ولهفة الاجتماع بهم ، وصارت المناسبات ؛ والمناسبات فقط هي التي تجمعهم بخلاف ماكان يحدث في السابق من صلة أرحام وجلسات مليئة بالحب والمودة التي تبتهج بها القلوب ويتوقدها الشوق .

ثم زاد الطين بلة ظهور وسائل التواصل الاجتماعي (الإلكتروني ) حيث أعدمت – أو كادت – ماتبقى من تواصل بين الناس واختصرت لقاءاتهم إلى بضع دقائق يلتقون فيها من خلف الشاشات ويتبادلون الأحاديث عن طريق (الكيبورد) ، ولم تسلم من هذا النوع المستجد (الكريه) من التواصل حتى تهاني الأعياد والأفراح وكذلك تعازي الأموات .

واقعنا الحالي يفضي بكل وضوح إلى أن العلاقات الاجتماعية باتت حلقة مفقودة أو معطلة في حياتنا المثقلة بالهموم والمشاغل ومنكفئة بالأعباء المتزايدة فضلا عن أنها – العلاقات الاجتماعية – صارت مسروقة من قبل أدوات التواصل الإلكترونية .

وفي وسط كل هذا التراجع ( المخيف ) في العلاقات الاجتماعية ؛ كان لابد من مبادرات حية من الناس أنفسهم ، تنتبه إلى القيمة الاجتماعية والصلة الروحية التي تم التنازل عنها لصالح المشاغل وتعويضها بتلك الوسائل الإلكترونية . وأحسب أن الانتباه لذلك بدأ يتزايد ، وأن رغبة الإنقاذ عادت إليها الحياة . وفي هذا الصدد يمكنني أن أسجل بكل الشكروالامتنان مبادرة قيمة سجلها عدد من طلاب مدرسة الهداية الثانوية في البحرين ، ممن تخرجوا منها عام ١٩٨٣ . إذ قرّر أحد النابهين والمتحمسين منهم – بمساعدة اثنين أو ثلاثة – إعادة تجميع مايمكن تجميعه من شتاتهم بعد كل هذه العقود من السنوات . بدأوا بإنشاء (جروب واتسب) دعوا للانضمام إليه من استطاعوا الوصول له من خريجي تلك الدفعة ، بعضهم صاروا مسؤولين وآخرون مديرين وآخرون ضباطا وبعضهم متقاعدين وهكذا . في أيام قليلة تجاوز عددهم في هذا ( الجروب) حوالي (٥٠) طالبا ، كانوا فيما مضى من الزمان لايفترقون عن بعضهم إلا ويحدوهم الشوق لانتظار تجدد اللقاء بهم في اليوم التالي .

وعلى الفور ؛ تنادوا للقاء حي واجتماع حقيقي وليس في العالم الافتراضي ؛ على وجه السرعة كان العناق وحرارة المصافحة – وربما – دموع تجدد اللقاء بعد كل هذه السنين حاضرة في أحد المطاعم بالعاصمة البحرينية ، ليسجلوا نادرة من المبادرات الاجتماعية جمعت أكثر من أربعين من زملاء الدراسة الثانوية ، فرقتهم عقود من السنوات لكنهم عادوا بذكرياتهم وبصفاء قلوبهم ونقاء حبهم ، وكان لصاحب هذا العمود المتواضع شرف أن يكون من بين هؤلاء الطلاب من مدرسة الهداية الثانوية عام ١٩٨٣ الذين التقوا مجددا حتى الآن لقاءان جمع كل أعدادهم وهم مصرّين على الاستمرار فيها ، إحياء لعلاقاتهم وصداقاتهم واحتجاجا على فقدان العلاقات والروابط الاجتماعية وتضعضعها بسبب غرباء دخلوا على مجتمعنا بمسمى التواصل لكنهم جعلوا من هذا التواصل جمادا ، لاروح فيه ، وليس له قيمة سوى زيادة البعد والتقاطع .إنها مبادرة جديرة بالاحتذاء .

سانحة :

وكنت أزعم مثل الناس إذ زعموا                     بأن من غاب عني غاب عن بالي

واليوم كذبني قلبي وكذبهم                            فارقتهم وأقاموا بين أوصالي

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s