المقالات

بين اغتيال الزواري وأندريه كارلوف

منشور في جريدة الشبيبة العمانية http://bit.ly/2hvIJ1z

جريمتا اغتيال وقعتا بالتزامن في فترة أسبوع واحد لايفصل بينهما سوى بضعة أيام ، الأولى في يوم الخميس 15من شهر ديسمبر الحالي والثانية بعدها بأربعة أيام ، بالضبط في مساء 19 ديسمبر نفسه .  غير أن جريمة الاغتيال الأولى لم يأبه بها أحد ، لم تنتشر ، لم يتفاعل معها أحد أو لم تُفرد لها مساحات في أخبار الفضائيات والصحف تتناسب مع فداحتها ، ولم يستنكروا وقوعها فضلاً عن طريقة تنفيذها .

أما جريمة الاغتيال الثانية ؛ فقد طار بها الركبان منذ لحظة حدوثها ، بل توقفت برامج فضائيات ووكالات أنباء لبثّ خبرها ، خُصصت صفحات وبرامج لتناولها ، الحديث عنها بلغ آفاق الدنيا ، برقيات واتصالات وبيانات الاستنكار ليس لها حدود ، ربما لازالت تتواصل حتى يومنا .

حتى في عالمنا العربي ؛ انشغلوا بالجريمة الثانية ، عرفوا كل تفاصيلها ، تناولوا بالصور والتقارير كيفية وقوعها ، أصدروا حتى  فتاوى – نؤيدها – بتجريمها وتحريمها ، ربما حفظوا اسم القاتل والمقتول رغم أنهم أو إنها ليست في محيطهم الجغرافي بينما الجريمة الثانية اغتالت أحد أبناء العرب ، وفي عقر دارهم .

الجريمة الأولى التي وقعت يوم الخميس 15 ديسمبر 2016 في مدينة صفاقس التونسية حيث أطلق مجهولون أسلحتهم النارية من مسافة (صفر) على مهندس الميكانيكا التونسي محمد الزواري -49 عاماً- أمام منزله . ويُقال أن أول من نقل خبر الاغتيال هي القناة العاشرة الصهيونية عن طريق مراسلها  “مواف فاردي” الذي نشر أيضاً على موقع التواصل الإجتماعي (فيسبوك)  مقطع فيديو لموقع الحادثة من أمام منزل الزواري في صفاقس علق فيه قائلاً : “هنا قُتل محمد الزواري، يوم 15 ديسمبر، نزل صباحا نحو سيارته من طراز فولكس فاغن بولو، فاقترب منه 3 مسلحون، وأطلقوا عليه النار من المسافة صفر.. هذه ثقوب الرصاصات التي أطلقت على محمد الزواري”.

لكن من هو المهندس الطيار الشهيد محمد الزواري الذي تم توجيه الاتهام لجهاز المخابرات الصهيوني ( الموساد ) بقتله وأوفدت القناة الفضائية العاشرة الصهيونية وفداً من مصوريها ومراسلها لتصوير الاغتيال ! في جريمة استباحوا فيها الأرض التونسية على نحو سافر ، وعلى نحو يثير العديد من التساؤلات والمخاوف حول إمكانية اختراق وتغلغل عناصر ( الموساد ) وقدرتهم على الاختطاف والقتل في داخل بلداننا دونما مراعاة للسيادة الوطنية والمواثيق الدولية .

الشهيد الزواري هو المهندس الذي ارتبط اسمه كمهندس أول طائرة فلسطينة – وعربية – بدون طيار ، وتم تسميتها ( أبابيل1) ويُرمز لها بـ (A1) صنعتها كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) واستخدمتها لأول مرّة أثناء الهجوم الصهيوني على غزة في يوليو 2014 في معركة ( العصف المأكول ) حيث استطاعت هذه الطائرة آنذاك التحليق فوق وزارة الدفاع في تل أبيب ونقل صور من هناك ، ثم نشرتها كتائب القسّام آنذاك ؛ الأمر الذي أثار الذعر لدى الساسة والعسكر الصهاينة .

وهذا الشهيد الذي كانت رسالته في الماجستير من مدرسة المهندسين بصفاقس تحمل مشروع الطائرة بدون طيار ؛ قد دخل غزة قبل عشر سنوات وانضم لكتائب القسّام ، نصرة للقضية الفلسطينية الذي كان يردّد بشأنها دائماً : ” قضيتي قضية الأقصى والمقاومة الفلسطينية لأنها البوصلة الوحيدة التي لا تخطئ الاتجاه “. وهناك استطاع أن يحقق أسطورته الخاصة التي ارتبط اسمه بها ، طائرة بدون طيار ( أبابيل1) .

على أن هذه الطائرة التي أرعبت الجيش الصهيوني لم تكن السبب الوحيد لاغتياله ؛ إنما هو خوفهم أيضاً من مشروع رسالته التي كان يعدّها للدكتوراه التي تحمل عنوان “غواصة بدون غواص” وتستطيع حمل صواريخ . وفي ذلك قال الصحفي الصهيوني “أورلي هلر” في القناة العاشرة الصهيونية “بأنّه إذا كان الموساد قد اغتال محمد الزواري فعملية الاغتيال لم تكن على ماضيه، بل على ما هو قادم ،فالزواري يساعد حركة حماس للاستعداد للمواجهة القادمة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي”. وذلك في إشارة إلى مشروعه ( الغواصة المسيّرة عن بعد ) .

هذه التفاصيل وأخرى مثلها في حياة هذا البطل ؛ نجهلها أو يُتعمّد تجهيلنا بها عن مثله من أبطال تغيّرت(بوصلتنا) نحو البطولة والمقاومة حتى أضحت مفرداتها وشخصياتها وإنجازاتها لاتثير ساكناً لدينا ، ولايُحزن أو يُنتفض لتصفيتهم والتخلّص منهم على هذا النحو السافر من الفتك والقتل وانتهاك حتى سيادة الدول وحدودها.

 وأما الجريمة الثانية التي ليلتها ( وقف العالم كله على رجليه ) ؛ فهي التي كانت في مساء الأثنين 19 ديسمبر 2016 حيث أطلق أحد المسلّحين النار على السفير الروسي لدى تركيا أندريه كارلوف، بينما كان يلقي كلمة في معرض فني بعنوان “روسيا في عيون الأتراك” تمّ تنظيمه بالتعاون بين السفارة الروسية وبلدية جنقايا في العاصمة التركية أنقرة .

ومن دون الدخول في تفاصيل وتحليلات وردود أفعال عن هذه الجريمة لأننا كلنا تابعناها ، وهي مُسْتنكرة بلاريب ، وهي تملّكت كل فضاء وسائل الإعلام والتواصل على عكس جريمة الاغتيال الأولى ؛ فإن مما يثير الانتباه في الجريمتين ويفضح ازدواجية المعايير في عصرنا الأنكد – بالإضافة إلى حجم اهتمام الماكينة الإعلامية بإحداها دون الأخرى – هو اعتبار الجريمة الثانية ( اغتيال السفير ) عمل إرهابي في حين أن الجريمة الثانية ( اغتيال الزواري) ليست كذلك !! 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s