المقالات

كيف نصنع الإرهابيين ؟!!

منشور في جريدة الشرق القطرية

http://www.al-sharq.com/news/details/466985

بحسب تحذير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) فإن مايقارب (2,7) مليون طفل سوري في أنحاء المنطقة غير ملتحقين بالمدارس ، الجزء الأكبر منهم داخل سوريا نفسها! وأعربت هذه المنظمة الأممية في تقرير لها تم نشره يوم الخميس الماضي عن بالغ قلقها تجاه عدم تلقي هذا العدد الكبير من الأطفال مايناسبهم من التعليم . وقال السيد جستن فورسيث نائب المدير التنفيذي لليونيسف إنه “ما لم يتوافر المزيد من الموارد، فإن هناك خطر حقيقي لظهور(جيل ضائع) من الأطفال السوريين، محروم من المهارات التي سيحتاجها لإعادة بناء بلده.

وليس معروفاً بالضبط الأعداد الحقيقية للاجئين والمشردين من سوريا ، فمنهم من فُتح له الجوار التركي والأردني ، ومنهم من هو ( عالق ) في الفيافي والصحاري ، ومنهم من استطاع العبور إلى دول أوروبا ، ومنهم من ابتلعتهم مياه البحر في رحلات ( الموت) عبر البحار والمحيطات . غير أن المؤكد أن حوالي نصف سكان سوريا ليسوا في وطنهم ؛ إنما موزعين بين لاجئين ومشردين ومفقودين ، ومنهم بالطبع شهداء فاضت أرواحهم إلى بارئهم في قائمة عجزت – لضخامتها -المستشفيات والمقابرعن إحصائها وتوقف التاريخ عن توثيقها حتى أصبحت رائحة الموت هي الهواء الذي يتنفس منه الشعب السوري .

على مدار مايقارب الست السنوات ؛ أصبح الشعب السوري عرضة للمذابح والمجازر في أي وقت ، في شرق البلاد كما في غربها وشمالها وجنوبها ، ومشاهد الذبح وصور الفتك ألفتها الفضائيات وأخبار القتل مادة ثابتة لوكالات الأنباء  ، أطفال تنتزعهم القذائف من أحضان والديهم ورجال تغتالهم الطائرات بين أهلهم وأحبابهم بيوت ومساجد تدمرها القنابل والبراميل المتفجرة على من فيها ، دماء وأشلاء لا تُدمع العيون فقط بل تحرق القلوب لما يظهر فيها من حجم المأساة ، مأساة أيتام وأرامل وثكالى ومصابين ومكلومين غمرت الدماء مخيلتهم ، واختطف القتل زهرة سعادتهم ، وأصبحوا أسرى في بيوتهم يحاصرهم الجوع ويبحثون عن طعامهم كما تبحث حتى القطط والقوارض عن أكلها.

ليست سوريا هي المختصة بذلك فقط ؛ وإنما قصص الاعتقال وحوادث الخطف وجرائم القتل ومجازر الذبح ، والحصار والمنع من الغذاء والعلاج وماشابهها من صور الظلم ومظاهر القمع هي حياة الناس الآن في العراق وفلسطين وبورما وأفغانستان مما تتنادى دول العالم لمحاربة الإرهاب فيها وتنفق مئات الملايين للقضاء عليه بينما واقع الأمر أنهم يضعون بذورا وجذوار لايمكنها بحسب منطق الأشياء إلا أن تكون عاقبتها ومستقبلها أشدّ مما يحاربونه الآن. فمن يزرع الموت لن يحصد الورود .

لايمكن لهؤلاء الأطفال بأعدادهم المليونية الذين هم بلا مدارس ولاتعليم أو للأيتام والأرامل والثكالى ومثلهم من المظلومين والمضطهدين في أرواحهم وأعراضهم ودمائهم وأشباههم من المعتدى على حق حياتهم ؛ لايمكن لكل هؤلاء ألاّينتقموا لمذابحهم ، ولاتتوقعوا منهم أن يسامحوا جزاريهم ، وألاّ يثأروا لكرامتهم وإنسانيتهم ، عاجلاً أم آجلاً .  ولاتتصوروا أنهم سينسوا الأرواح التي أزهقت ، والنساء اللواتي ثُكلن وترملن أو هُتكت أعراضهن ، والمنازل التي هُدّمت على رؤوس أصحابها ، والمدن والقرى التي سُوّيت بالأرض .

هؤلاء ليسوا جماداً بين الأحياء حتى تتوقعوا أن مناظر القتل والظلم وصور المجازر والمذابح وعمليات التهجير والتشريد سيتجاوزونها سلاماً سلاماً . هؤلاء قنابل موقوتة وأعواد ثقاب ( باروت ) ينبغي بذل جهود وإنفاق أموال لاحتوائها ورعايتها قبل فوات الأوان – إن لم يفت فعلاً – ولات ساعة ندم .

سانحة :

 لا أحد يؤيد الإرهاب ؛ لكنه نتيجة لأسباب ، ومن كان يريد استئصال الإرهاب فعليه بالأسباب ، أسباب صناعته بدلاً من إضاعة الوقت والجهد في محاربة النتيجة أو إعادة إنتاجها .

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s