المقالات

لماذا الآن ؟!!

سؤال غالباً ما أطرحه على نفسي كلّما تابعت انشغال الرأي العام بمشكلات وأمور أحسبها ثانوية – بالرغم من جدّيتها – وليست بقضايا رئيسية تستوجب أن تستحوذ على الرأي العام وتقضّ مضاجع المجتمع بأسره ، وتتفرّغ لها النخب وتتوجّه إليها وسائل الإعلام وأصحاب الآراء ، وتملأ تفاعلاتها فضاء العالم الافتراضي .

وتساورني في بعض الأحيان الكثير من الشكوك حول أن هذا الانشغال – ربما -يجري بفعل فاعل ، دبّر الفعل ، ورتّب ردود الفعل ، وساهم في توسيع النشر بغرض صرف الانتباه عن الأهم من قضايا ومشكلات و- ربما – مشروعات وقرارات لايريد لها أن تكون في بؤرة اهتمام الناس وتركيزهم وتفاعلهم معها .

على سبيل المثال وليس الحصر ؛ ظهور موضوع المخالفات المرورية هذه الأيام إلى سطح الاهتمامات وسيطرة السخط والتذمر منها على سائر مجالس ولقاءات الناس ووسائل تواصلهم بالرغم من أن قانون المرور الجديد قد مضى على صدوره أكثر من عامين اثنين ، فقد صدر في 23 يوليو 2014م . كما أن لائحته التنفيذية قد صدرت هي الأخرى في 6 أكتوبر 2015 ومعها نظام النقاط في المخالفات المرورية . ليبقى السؤال : لماذا الآن بعد مرور أكثر من (30) شهراً على صدور قانون المرور ، وأكثر من (15) شهراً على لائحته ؛ يظهر كل هذا الاستياء من المخالفات المرورية في إطارها الجديد الذي يُفترض أنه مضى عليه كل هذه الأشهر ؟!

ويكون ذلك بينما البلد مرّت بأزمة سياسية لايستطيع أحد إنكار استمرار تداعياتها ، أزمة عصفت بتماسك المجتمع وأثّرت على وحدته وهدّدت مستقبله وهويته . والأسوأ منها أزمة اقتصادية طاحنة لايعرف الناس منها إلاّ عنوانها حسبما عبّر عن ذلك بكل صدق وأريحية أحد السادة النواب في جلسة نيابية سابقة ، ولا يرون من آثارها أو علاجاتها إلاّ اللجوء إلى جيوب المواطنين من خلال استحداث وزيادة رسوم وغرامات باعتبارها ( حيلة من لاحيلة له ) لتجاوز تداعياتها التي جعلت البلد يدخل الشهر الرابع من سنته المالية 2017 من دون وجود ميزانية أو حتى مشروع ميزانية !

ثم أن لا أحد يظهر للناس يشرح حال هذه الأزمة الاقتصادية  والرؤية حولها أو الأسباب التي أدّت إلى تفاقمها ، مجرّد شرح وتطمين وتواصل مع الناس ، أو نفي تقارير وأقاويل عن حافة إفلاس ومصير مجهول أو ما إلى ذلك مما يحتاج إلى شفافية وتفكير بأصوات عالية ، ليست منها بالتأكيد تلك التصريحات الخجولة من هنا وهناك التي تطالب الناس بالتقشف وشدّ الحزام وتنذرهم بسنوات عجاف بينما هم ينتظرون أيامهم الجميلة !! ويُترك العنان لأنواع من الشائعات والتكهنات و (جسّ نبض) غالبها تصبّ في خانة ( تخريع ) الناس في معيشتهم وصحتهم وتقاعدهم و… إلخ .

لماذا الآن ؟! سؤال يستحق أن نطرحه بالفعل أمام صنوف شتى من أمور ثانوية لا أحصرها هنا في موضوع المخالفات المرورية التي هي مجرّد مثال على ( سيناريوهات ) باتت تتكرّر بين فترة وأخرى ، يمكن تصنيف كثير منها في خانة الإشغال أو الإلهاء أو الهروب عن الأهم ..

سانحة :

كتب المحلل الشهير نعوم تشومسكي موضوعاً بعنوان “الاستراتيجيات العشر لخداع الجماهير ” ذكر منها استراتيجية الإلهاء ؛ ومما كتبه عنها “الإبقاء على انتباه الجمهور مسلى، بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، مأسورا بمواضيع دون فائدة حقيقية. الحفاظ على جمهور منشغل، منشغل، منشغل، دون أدنى وقت للتفكير ” .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s