المقالات

السلام في البيت المسروق

منشور في جريدة الشبيبة العمانية  http://bit.ly/2fBdeFx

قبل بضع سنوات كنّا نستهزأ ببيانات الاستنكار والشجب والتنديد التي تصدرها دولنا العربية والإسلامية تجاه مذابح ومجازر يجري ارتكابها في بعض البلدان الإسلامية ، وبالذات في فلسطين التي كانت لحسن الحظ يسمّونها في تلك الأيام بـ ( فلسطين المحتلة) . وأتوقع أن غالب الشعوب كانت – آنذاك – تنظر إلى تلك البيانات بأنها حيلة العاجز الضعيف عن فعل شيء ، أي شيء يوازي الجُرْم المرتكب لولا أن الجُرْح بالميت لاينتج عنه ألماً ! مثلما يقولون .

أما الآن ؛ فقد جرت عملية إخصاء سياسي ،  فُقدِت بسببها مثل تلك البيانات واختفت كلمة (المحتلة) من فلسطين ، وأصبحت إسرائيل أمراً واقعاً يجب علينا الترحيب بوجودها واعتبارها دولة قائمة يمكن زيارتها والتطبيع معها وإقامة مختلف العلاقات معها فضلاً عن بذل الجهد لحمايتها من الإرهابيين والمتطرفين الذين لايرون في إسرائيل سوى أنها ورم خبيث ينبغي استئصاله .

أذكرعندما كنّا صغاراً ؛ كانوا في التليفزيون كثيراً ما يسألون أطفالاً : لماذا تكرهون إسرائيل ؟ لماذا تؤيدون الجهاد – قبل نزع هذه الكلمة من القاموس – ضدّها ؟  فكان من أفضل أجوبة الطفولة وأبلغها حينذاك : وهل تحبّ حرامي سرق بيتك وطرد من فيه ؟!

بالطبع الحرامي لم يتغيّر والبيت لايزال مسروقاً لكن أصحابه نسوا بيتهم المسروق وتحوّل حديثهم عن استعادته كحق منطقي ومشروع إلى دعوة السارق للقبول بأن يعيشوا معه في بيتهم المسروق !!

تجسّدت الأسبوع الماضي في نيويورك حالة الانهزام والمذلة فيما يشبه حالة استجداء جماعي مارس أدوارها بعض الزعماء والقادة وممثليهم العرب من أجل إحلال السلام بإرغام إسرائيل للموافقة على مبادراتهم وقبلها الموافقة على الجلوس معهم على طاولة الحوار لترتيب العيش والسلام مع الفلسطينيين في بيتهم المسروق . وربما كانت أكثر حالات الاستجداء تجلياً هي التي وردت في كلمة الرئيس الفلسطيني حينما استعرض جهوده لحثّ اسرائيل على التفاوض وقبول مبادراته ولجوئه للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ليتساءل بعد ذلك : بعد كل هذه الجهود والمحاولات إلى أين نذهب ؟!!

والواقع فإن الجواب الحصيف على سؤال : إلى أين نذهب ؟ هو : لنذهب إلى الله ؛  فهو المرتجى سبحانه وتعالى الذي أذلّ القياصرة والأباطرة والفراعنة . وإن الاستمرار في استجداء الدول والمنظمات في الشرق كما في الغرب ، وبذل أو إنفاق كل هذه الجهود المضنية والأموال الطائلة لن يعيد وطنا مسلوباً أو يعوّض دماً مسفوكاً .

من المؤسف أن تتحوّل مقاومة الاحتلال – التي كانت في سابق أزمان العروبة والإسلام عنوان عزّ وفخر وكرامة – إلى مجرّد كلمة رديفة للـ (الإرهاب) ضمن العديد من المرادفات التي جرى في زمن الانهزام حصرها في إسلامنا العظيم بحيث أنه لم يعد أحد يقبل بالكلام عن دفاع الفلسطيني عن أرضه المحتلة ومقدساته المغتصبة أو انتقامه انتقاماً طبيعيــــاً لمن قتل والده أو أمه أو أحد أفراد عائلته أو دفاعاً عن عرضـــه وشرفه  ؛ فذاك صار يُعدّ إرهاباً يجب إنكاره والعمل على استئصاله ومنع حدوثه مثلما حينما يحرق البوذيون في بورما المسلمين وهم أحياء ويشرّدون عشرات الآلاف منهم في الفيافي والبحار ؛ فهؤلاء أيضاً لاتنطبق عليهم أوصاف الإرهاب .

كنّا نتمنى في حفل كلمات الجمعية العمومية للأم المتحدة الأخير أن ينبري أحد – أي أحد – يستنكر تلك القسمة الضيزى ويرفض تعاريفهم ومدلولاتهم للإرهاب التي استثنت القتلة والجزّارين والسفاحين ومرتكبي جرائم الحرب والاحتلال من مختلف الأصقاع والديانات والملل حتى أن كبير الحفل ، الرئيس الأمريكي ترمب ؛ أعلنها في كلمته بكل وضوح ك نحن نحارب الإرهاب الإسلامي !!

سانحة :

يُروى في الصفحات البيضاء من تاريخنا الإسلامي المجيد أنه بعد احتلال الصليبيين للقدس الشريف ؛ كان القائد صلاح الدين الأيوبي – بحسب المؤرخين – كالوالدة الثكلى ، يطوف بالناس ويستحثهم على الجهاد وينادي ” ياللإسلام ” وكان من كلامه رحمه الله : ” كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين؟! “

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s