المقالات

لاتسدّوا المنافذ فيلجأوا إلى النوافذ !!

تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة تكاد تكون مستجدّة على مجتمعنا المحلي ، ربما لم نألفها من قبل ، وهي مدعاة لإثارة القلق مثلما هي في مضمونها وأبعادها حزينة وتستحق الالتفات إليها بعناية واهتمام حتى لاتصبح واقعاً مقبولاً ومؤلماً يلازم يوميات مجتمعنا وأحداثه.

ما أعنيه هنا هي تلك التسجيلات الصوتية والمرئية التي هي أقرب إلى المناشدات والاستغاثات عن واقع أسر أو أفراد يعانون من مشكلات وأزمات طاحنة وجدوا في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي مساحات واسعة لنشرها والعمل على معالجتها أو الدعوة إلى إنقاذهم أو إيجاد حلول لهم .

في اعتقادي – المتواضع – ليست الأحوال المعيشية الصعبة وتزايد العوز والفقر أسباباً وحيدة لنشوء وتزايد هذه الظاهرة المقلقة ؛ إنما هناك في المقابل ظاهرة أخرى تتصاعد وتتمثل في الأبواب المغلقة والصدّ عن استقبال المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم بصورة – أعتقد – أنها هي التي تدفع وتساعد على استمرار وتزايد ظاهرة المناشدات والاستغاثات وتشجيع أصحاب الحاجات للجوء إليها في وسائل التواصل الاجتماعي بعدما أوصدت الأبواب وأغلقت القنوات في وجوههم ولم يجدوا من يلتقي بهم ويسمع لهم ويسعى لحلّ معاناتهم والوقوف عليها ميدانياً بشكل حقيقي .

حوائط  صدّ كثيرة وضعها بعض المسؤولين الكبار والصغار تمنع وصول المواطنين إليهم وأصبحوا يعملون في مكاتب فاخرة وأبراج عالية معزولين عن واقع الناس ومنفصلين عن التكليف السامي والرسمي من لدن جلالة الملك المفدى أو رئيس الوزراء الموقر وولي العهد الأمين بأن يكونوا في خدمة المواطنين والوقوف بأنفسهم على قضاياهم ومشكلاتهم.

للأسف الشديد ؛ أصبحت مهمة استقبال المواطنين والمراجعين في كثير من الوزارات والمؤسسات مقصورة على صغار الموظفين والسكرتارية و( السكيورتي) وماشابههم من مستويات وظيفية بسيطة لاتملك من مسؤوليات في وظائفها سوى استلام الشكاوى والطلبات وإعادة تسليم الردود ، وفقط . بينما أصحاب الصلاحيات وأصحاب الاختصاص والقرار محاطين بجدران عازلة يصعب تخطيها وتجاوزها والوصول إليهم .

من يتابع تلك التسجيلات المتضمنة مشكلات ومناشدات يكتشف أنه يجري حلّها أو معالجتها أو الالتقاء بأصحابها بمجرّد انتشارها وتداولها في وسائل التواصل ، والأمر نفسه يحصل للمشكلات المنشورة في صحافتنا أو برنامج صباح الخير الإذاعي .  مما يعني أن هناك خللاً أو تقصيراً هو الذي دفع أصحابها للجوء إلى تلك التسجيلات أوالنشر الصحفي أوالإذاعي ، وإلاّ لو أنهم وجدوا – ابتداء – من يفتح لهم مكتبه ويتحمّل بجدّ مسؤوليته وتبعات تكليفه ويستمع إلى مافي أنفسهم ، لو حصلوا لهم المسؤول الحاني ذي الصدر الرحب الحريص على خدمة وطنه ومواطنيه العارف بقيمة كرسي منصبه كـ(تكليف وليس تشريف) لما وجدنا هذا الكمّ المتزايد من تسجيلات ومناشدات واستغاثات تشوّه الصورة المجتمعية وتسيء إلى نمط الأداء والإنجاز الحكومي وتثير السخط والإحباط في حين أنه كان يمكن تفادي الكثير منها لو أزلنا تلك الأبواب المغلقة وأسقطنا الجدران العازلة بين المسؤولين والمواطنين.

للإنصاف والتقدير ؛ موقفان يستحقان الشكر والتسجيل . أولهما : كان لدي مراجعة خاصة في الإدارة العامة للمرور قبل حوالي فترة قصيرة ، قيل لي أن حلّها يكون عند مديرها العام سعادة الشيخ عبدالرحمن بن عبدالوهاب آل خليفة . سألت الاستقبال عن مكتب المدير العام فدلّوني على مكانه. استقبلني سكرتير مكتبه بكل بشاشة ورحابة ، شرحت له موضوعي ، سألني : هل تريد الدخول على المدير أم أعرض عليه أوراقك ومشكلتك ؟ قلت له ماتراه مناسباً . طلب مني الانتظار . بعد عشر دقائق سلمنى مراجعتي عليها موافقة وتوقيع سعادة المدير العام عليها مشكوراً.

وثاني تلك المواقف التي تستحق الإنصاف والشكر ؛ كان لدي مشكلة تخص ابني في وزارة التربية والتعليم ، التقيت بالأستاذ خالد السعيدي القائم بأعمال الوكيل المساعد للتعليم الخاص . شرحت له المشكلة ، أبدى تفهماً واهتماماً بالغاً بمعالجتها . لم يكتف بتسجيلها وإنما أخذني بنفسه يتنقّل معي من مكتب إلى آخر بين مباني الوزارة لمدّة تقارب الساعة والنصف الساعة ليتأكد بنفسه من سير الإجراء المطلوب والدفع بالتعجيل بإنهائه لتعلّقه بمستقبل طالب ارتأى من خلال منصبه أنه في حكم ابنه ومسؤولاً عنه.

لاريب أننا بحاجة لأن يكون أمثال سعادة مدير عام إدارة المرور والقائم بأعمال الوكيل المساعد بوزارة التربية والتعليم في مناصب ومواقع خدمة الناس ، فتلك النوعية المنفتحة المتواضعة الحريصة أقدر على احتواء المشكلات وإيجاد الحلول المناسبة لها وقطع الطريق على تفاقمها وتصاعدها وتحوّلها إلى تسجيلات فيها استغاثات ومناشدات أحسب أن جلّها نحن في غنى عنها لو حصل أصحابها على آذان صاغية في مكاتب مفتوحة.

 أخيراً ؛ لاتغلقوا الأبواب وتسدّوا المنافذ فيلجأ المواطنون إلى النوافذ .

سانحة :

يقولون في علم الإدارة : عندما يكون الرجل أكبر من المنصب تجده متواضعاً وعادلاً ومنتجاً . وعندما يكون العكس ، أي عندما يكون المنصب أكبر من الرجل تجده مغروراً وظالماً وأحمقاً .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s