المقالات

بوعبدالرحمن .. يالقساوة فراقك

حينما اشتدّ عليه مرضه قبل بضعة أشهر توقفنا عن زيارته والتواصل معه خشية عليه من التعب والإرهاق ولمعرفتنا بضعف مناعته ؛ لكننا لم نتوقف من السؤال عنه والدعاء له . غير أنه قبل حوالي شهر من وفاته زاد شوقي له وأردت أن أشنّف أذني بسماع صوته . اتصلت به حيث أجابني مداعبا بقوله : (ها هل نقول لك اقرأ من قوله تعالى) في إشارة إلى أنه أحد القلائل المقربين منّي الذين يعرفون أني بدأت محاولة لحفظ بعض سور القرآن الكريم على أمل أن يكرمني الله تعالى بإتمام حفظه . في تلك المكالمة أيضاً قال لي : (إذا ختمت القرآن إن أنا موجود سنعمل لك زفّة في دواعيس المحرق) حيث كان بيني وبينه سجال ومزاح في حبّ المحرق .

ورغم فرحتي بسماع صوته والحديث إليه إلاّ أن كلمته (إن أنا موجود) قد أبكتني ونازعتني النوم .. فاللهم ارحمه وأنزل على قبره النور والضياء وارزقه الحسنى وزيادة،فقد قضى صابراً محتسباً راضياً بقضاء الله وقدره حتى أنه كان يتمتم في النزع الأخير وهو في غرف العناية المركزة عند مباضع الجراحين وأجهزة التنفس والإنعاش بقوله (الحمد لله). بعض الناس ما أن يصيبهم مثل مرض  الدكتور علي صليبيخ رحمه الله حتى يعم الجزع والهلع حياتهم وتنهزم نفوســهم للمرض قبل أن ينخر المرض ذاته في جسدهم ، فتتضاعف المصيبة لديهم ، وتتعثر العلاجات أمامهم وتصعب مداواتهم ؛ ذلك أن علامات اليـأس والقنوط قد أخذت أماكنها وفعلت في عزائمهم ما هو أشـد من المرض نفسـه لكن بوعبدالرحمن ظلّت ابتسامته هي نفسها ملازمة له في مرضه وعند وفاته حتى قيل أنه مخلوق بها ومطبوعة على وجهه رحمه الله.

منذ وفاته لم يتوقف عندي طيف ذكرياته ؛ التقيه كل خميس ردحاً من الزمن ، سافرنا معاً ، اعتمرنا معاً . هو من أكثر الناس الذين عرفتهم إخلاصاً وحبّا لعمله وتخصصه حتى أنه كان شغوفاً بتطويرعلمه وتخصصه بحيث لايفوّت حضور مؤتمرات وورش عمل في الداخل أو الخارج ولو على حسابه الخاص . كان طموحاً ، بل زارعاً للطموح فيمن يلتقيهم . أذكر أنه التقى ذات مرّة بأحد الطلبة من أقاربي يشرح له تخصصات جامعة البحرين وبالذات تخصص التربية الرياضية الذي كان الدكتور علي رحمه الله أحد مدرّسيه . سأله عن المستقبل الوظيفي لهذا التخصص فردّ عليه بأن الوظيفة يصنعها الإنسان بنفسه من خلال إبداعه وتفوّقه وحبّه لتخصصه أمّا المستقبل فهو بيد الله وليس للبشر إلاّ توقعاتهم التي ليس بالضرورة أن تكون صحيحة . كان يردّد أنه يقول لطلبته أثناء دراستكم الجامعية لاتفكروا بالوظيفة لكن انشغلوا بالتفوّق والتميّز .

أمّا منزلة بوعبدالرحمن لدى طلابه في الجامعة فحدّث ولاحرج ، ربما لاتسعها الصفحات ، لايمشي في ممرات الكلية إلاّ وهو محاطاً بأعداد غير قليلة من الطلبة كأنما هو أمير مع مرافقيه وحرسه. كان يعرف جميع طلبة كلية التربية الرياضية بأسمائهم ويناديهم بألقابهم ويشاركهم في أنشطتهم ومسابقاتهم حتى أنه لما غاب عنهم للعلاج كان كثير منهم يحمل صورته وغالباً مايتصدّر اسمه وصورته فعالياتهم وفاء له ودعاء له بالشفاء والعودة إليهم . لقد كان الدكتور علي رحمه الله أباً وأخاً وصديقاً لهم لم يتصوّروا غيابه عن مشهدهم لولا أن هذه هي حياتنا الدنيا ، من جاء أجله رحل.

نعم رحل عن دنيانا بوعبدالرحمن الذي لايتجرأ على الحرام ، البارّ بوالديه وأهله ، المربّي والمعلّم ، المعروف بخدمته للناس وحبّه لهم ، ذي الوجه البشوش والثغر البسّام الذي لازمه حتى بعد وفاته كعلامة من علامات القبول والرضا عليه من لدن المولى عز وجل.

وقد كان مشهد جنازته مهيب جدّاً؛ هذه الجموع من الناس الذين غصّت بهم ساحة مقبرة المنامة لم تمنعها أزمة فيروس الكورونا من الاحتشاد لتوديع الدكتورعلي صليبيخ وقد ملأ الحزن قلوبها وبكت العيون وذُرفت الدموع على فراقه حتى أن الصلاة على قبره قد أقيمت عدّة مرّات لتعذّر البعض من الوصول على وقت الجنازة بسبب تزاحم المشيعين في الطريق إلى المقبرة ومواقف سياراتها.

أتوقّع أن شيئين قد أخرج هذه الجموع لوداع الفقيد الغالي بوعبدالرحمن : أولهما : ما رواه مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله إذا أحبّ عبداً دعا جبريل ، فقال : إني أحبّ فلاناً فأحبه ، قال : فيحبّه جبريـل ثم ينادي في السـماء فيقول : إن الله يحبّ فلاناً فأحبوه فيحبّه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض”  فلله درّ بوعبدالرحمن هذا الحبّ . وثانيهما : أعمال السرّ التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ” من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل ” . فللّه درّه بوعبدالرحمن ؛ فما أكثر السرّ في الأعمال والإحسان التي عرفناها عنه بعد موته.

        رحم الله الغالي بوعبدالرحمن ، وندعو الله أن يتغمده برحمته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة فهو القادر على كل شيء فقد ودّع الدنيا قريباً من ربّه ، وعلى طاعته والرضا بقضائه وقدره . عسانا أن يختم مولانا سبحانه وتعالى حياتنا مثله وأن لا يطيل في أعمارنا إلاّ فيما يُرضيه عنّا .

سانحة :

        إن أحدنا في حياته يعطي لكل شيء حقّه ويخطط ويسير في معتركها دون أن يخطر بباله أنه مهدّد في هذه الدنيا بأحد أمرين؛ إما أن يعترض له عارض في مشوار الحياة وإما أن يشرب من كأس الموت الذي ينتظره بل ويكرهه ، فهو لابد له أن يتجرع من أحدهما ، والعاقل من يعتبر بقصر حياته مهما طال عمره وزاد سلطانه ونفوذه وماله.

6 آراء على “بوعبدالرحمن .. يالقساوة فراقك

  1. جزاك الله خيرا بوفيصل
    ورحمة الله بوعبدالرحمن وغفر له واسكنه فسيح جناته

    إعجاب

  2. جزاك الله خيرا بو فيصل
    اللهم اغفر لبوعبدالرحمن وارحمه واسكنه فسيح جناتك

    إعجاب

  3. جزاك الله الجنة يا بوفيصل وبارك الله فيك وفي اهلك ومالك وذريتك الله يعلم إنا على فراقه لمحزونون ترك فراغ كبير في حيلتنا اسال الله ان يحفظ ذريته

    إعجاب

    1. اللهم ارحمه واسكنه فسيح جناتك و انزل السكينة والطمأنينة في قبره واجعل قبره روضة من رياض الجنة ، جزاك الله خير بوفيصل

      إعجاب

      1. الله يرحمه ويغفر له ويجعله من أهل الفردوس ضاحكًا مستبشرا. ما سمعت عنه غير مرضه ووفاته لكني اعرف ما يعني ان دكتور في جامعة البحرين ينحب بهذي الطريقة الغريبة اللي ما جفتها في حياتي الدراسية كلها. ان دل فيدل على صدقه وقربه من الطلبة وعلى إخلاصه في عمله. وفاته اثرت فيني وحب الناس له من طلبة ومجتمع خلاني أتعجب وأفكر في الخاتمة. الله يجعلنا وإياكم من أهل الجنة ويجعل أحسن أعمالنا خواتيمها.

        إعجاب

  4. اللهم يا رحيم ارحمه، ويا عفو اعف عنه، ويا غفور اغفر له،
    اللهم أسعده برحمتك وفضلك ولطفك وارفع منزلته في الفردوس الأعلى من الجنة.. اللهم وكما كنا نشتاق لرؤيته في هذه الدنيا وتهفو نفوسنا لابتسامته ووضاءة سريرته.. فلا تحرمنا لقاءه في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
    إنا لله وإنا إليه راجعون..
    الله يجزيك الخير بو فيصل..

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s