المقالات

أَلم يَأْن ؟!

يُروى في تاريخنا الإسلامي العظيم عن الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتجول ذات ليلة بالمدينة المنورة ويتفقد أحوال الرعية، ومعه خادمه فأعياه التعب فاتكأ إلى جدار بيت، وإذْ امرأة تقول لابنتها:  قومي إلى اللبن فامزجيه بالماء، فقالت الفتاة : يا أماه أو ما سمعت منادي الخليفة ينادي : لا يُخلط اللبن بالماء. فقالت : إنكِ بمكانٍ لا يراكِ فيه الخليفة عمر ولا مناديه، فقالت الفتاة : يا أماه إن لم يرنا عمرفإن الله يرانا!

عرفت هذه الفتاة ربّها وعرفت معنى مراقبته فخلدّ التاريخ قصتها تُروى للأجيال لتكون مثلاً للاقتداء بها. خاصة في زماننا هذا الذي – ربما- جعلنا فيه الله أهون الناظرين إلينا ! وما أحوجنا في هذه الأيام العصيبة حيث نُذر المرض تحيط بالناس ويتخطف الموت من حوالينا الأحباب والأصحاب ، القريب كما البعيد ، والصغير كما الكبير ؛ ما أحوجنا إلى أن نعيد لهذه القيمة الروحية – إن الله يرانا- مكانتها في حياتنا ؛ كل شؤوننا وتصرّفاتنا ،أموالنا التي نكسبها ، أولادنا الذين نرعاهم ، أهلنا الذين نتولّاهم ، أقوالنا وكتاباتنا وسائر أعمالنا . للأسف البعض أصبح كما الآلة ، لايهمه إلاّ نفسه وماله ومصلحته التي في سبيل إعلائها يمكنه أن يدوس الآخرين ولأجل إرضائها وحمايتها يتجرأ على الكذب أو النفاق أو الفجور في الخصام أو الكيد للآخرين إما قولاً أو فعلاً أو تحريضاً أو كتابة أو ما شابهها من صور المعاصي والبغي والظلم والتعدّي الذي بسببه قد انتفخت بطونهم وأوداجهم وتعاظمت أرصدتهم وثرواتهم دون أن يفكّروا في عاقبتهم وسوء تدبيرهم في المآلات والخواتيم ، ودون أن يأخذوا منهجاً لهم قول تلك الفتاة لأمها (يا أماه إن لم يرنا عمر فإن الله يرانا).

أستذكر هذه الحادثة في العهد العُمَري خاصّة كلما رأيت بعضهم من العجائز (رجالاً ونساء) وقد تقوّست ظهورهم وابيضّت شعورهم ويعيشون في تالي أعمارهم ونخر المرض أو سوء طويتهم وأخلاقهم في أجسادهم وتركهم مثل الهياكل العظمية ، أصبحوا أجداداً وجدّات ، لهم أولاد وأحفاد ، شحبت وجوههم وغابت عنها البسمة والبشاشة وتشابكت التجاعيد فيها ولم تفلح لإخفائها أغلى أنواع الماكياج ، وهم لا يزالون على محادّتهم لدينهم قولاً وفعلاً وكتابة ، وهم لايزالون على ذلك من الغفلة عن الله تعالى والهوان على أنفسهم ؛ كلما رأيت أمثال هؤلاء العجائز (رجالاً ونساء) تذكرت قول المولى عز وجل في سورة الحديد ” أَلم يَأْن للذينَ آمَنُوا أن تَخْشعَ قلوبُهم لذِكر اللَّه وما نـزلَ منَ الحَقِّ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتَابَ من قَبلُ فَطالَ عليهمُ الأَمَدُ فَقَسَت قلوبُهم وكثيرٌ منهم فاسقونَ “.

من يتفكّر في ملكوت الله سبحانه وتعالى ، وهو يرى كيف أن شيئاً لايُرى بالعين المجرّدة قد أوْقف العالم على رجله وشلّ حركته ، حشد الشرق والغرب كل إمكانياتهم لمحاربة شيء لايرونه ولايلمسونه .ألا يستحق مايحدث الآن عودة إلى المولى عزوجل ؟! من ترك الصلاة ، من تخلى عن الزكاة ، من أهمل برّ والديه ، من فرّط في رعاية أهله وتربية أبنائه ، من شرب الخمر وزنا ، من أدمن المخدرات ، من نهب وسرق ، من غشّ وزوّر وارتشى، من خاصم وفجر، من اعتدى وظلم ، من دلّس وحرّف، من ومن …. إلخ ؛ ألم يأن لهم أن يلتزموا بما التزمت به تلك الفتاة حينما طلبت منها أمها في سكون الليل وظلامه الدامس أن تعصي الله فردّت عليها (إن الله يرانا).  إن هذا هو أوان تسديد الديون نحو النفس والناس ، فلربما في ظل هذه الجائحة أصبح الاجتماع عند الله أقرب من أي وقت مضى فلنأخذ استعداداتنا واحترازاتنا لهذا اللقاء . اللهم احفظنا وارض عنّا وأحسن خواتيمنا.

سانحة :

قال تعالى : “يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعوا لَهُ إِنَّ الَّذِين تَدْعونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخلُقوا ذُبَابًا ولَوِ اجْتمَعُوا لَهُ وإنْ يَسلُبْهُمُ الذُّبَابُ شيئًا لا يَسْتنقِذوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطَّالبُ والمَطْلوب ، مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ”.

3 آراء على “أَلم يَأْن ؟!

  1. بارك الله فيك استاذنا جمال وجزاك الله خير الجزاء. نسأل الله حسن الخاتمة.

    إعجاب

  2. نعم أخوي بوفيصل مازال البعض في غفلة وكأن ما يحصل في العالم بعيد عنه ومصر على الاستمرار في الطريق الخطأ.
    الله يصلحنا جميع يارب

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s