المقالات

عن الدكتور علي فخرو

حينما كنت طالباً في المرحلة الثانوية بمدرسة الهداية الخليفية، بالضبط في العام 1983 اشتكينا مع مجموعة من الطلبة صعوبة بعض المناهج وطولها، فاقترحت علينا إدارة المدرسة توجيه الشكوى إلى الوزير نفسه. استغربنا أو استصعبنا الأمر لكني كتبت بالفعل رسالة إلى سعادة الدكتور علي محمد فخرو وزير التربية والتعليم آنذاك ضمنتها المطالبة بتخفيف بعض المناهج من أجل التسهيل علينا في الامتحانات. وأرسلتها من خلال البريد من دون توقع أي جواب أو ردّ. وكان المهم عندنا أن تصل الملاحظات والمطالب فقط . غير أن المفاجأة هو أنني استلمت من سعادة الوزير ردّاً مكتوباً بخط يده فيه من النصح والحنان الأبوي الذي يدعونا إلى تحمّل التعب وتشجيعنا على الجدّ من أجل مستقبلنا مادفعنا بالفعل للاجتهاد والمثابرة ونسيان شكوانا. واحتفظت بهذه الرسالة عدة سنوات، كانت محل فخر واعتزاز. https://bit.ly/3xjpM8K

وشاء الله تعالى بعدما تخرجت من الجامعة أن يتم توظيفي في إدارة العلاقات العامة والإعلام بوزارة التربية والتعليم وتكون من ضمن مهامي المساهمة في تغطية أخبار مكتب سعادة الوزير فخرو نفسه حيث عملت هناك حوالي سنتين ، 1988-1989  فكان سعادته مثالاً للجدّية والإخلاص في العمل ونموذجاً فريداً للتواضع والبساطة ورحابة الصدر ومستمعاً – ربما – لاينافسه أحد في الإصغاء للمسؤولين والمدرسين وكذلك الطلبة. بالنسبة للطلبة كان إذا حضر معرضاَ علمياً أو للحرف والمهن أو ورشة أو مرسم أو مسرحية أو أي نشاط من الفعاليات التي تنظمها المدارس آنذاك يكون وقت زيارته مفتوحاً، وغالباً مايكون في الفترة المسائية حتى أننا ومعنا مرافقيه من المسؤولين نتأفف من طول الوقت الذي يقضيه سعادته في تلك الزيارات حيث يحرص تمام الحرص على الوقوف مع الطلبة وأساتذتهم،يشجعهم ويسألهم عن أعمالهم ويتناقش معهم في تفصيل تفاصيلها، وذلك دون ملل أو كلل منه في مشهد هو الغالب عليه في كل زياراته لأنشطة المدارس. ليس تكلّفاً ولاتمثيلاً فقد كان أبعد مايكون عن ذلك. وقد كانت تغطياتنا الإعلامية لأخبار سعادته قليلة ومتواضعة، خاصة أخباره داخل الوزارة إذ كان لايقبل أن نكتب أخبار اجتماعاته مع الوكلاء والمدراء وبقية المسؤولين لأنه كان يراها من صميم ممارسته لعمله ومسؤولياته العادية.وكانت تقتصر – في الغالب – أخبار مكتبه على لقاءاته مع السفراء والوفود الخارجية وماشابههم فقط .وأذكر له جيداً أنه كان لدينا في العلاقات العامة مصورين اثنين فقط ؛ كان توجيه سعادته بأن عملهما في تغطية أنشطة ومناسبات المدارس مقدّم على تغطية وتصوير أخبار الوزير.

اكتشفت أيضاً من خلال ترددي على مكتب سعادته خلال السنتين اللتين عملت فيهما بالوزارة أنه يبقى بعض الأيام إلى مابعد الدوام الرسمي حيث يخصص جزءا منه لقراءة الرسائل والشكاوى والتظلمات وماشابهها مما تصل له ويحرص ألاّ يبقى منها شيئاً دونما ردّ. ومن هناك عرفت سرّ إجابته على رسالتي المذكورة في بداية المقال عندما كنت طالباً بالمرحلة الثانوية.

أما أشدّ ما كان يُلفت انتباهي ويثير إعجابي في شخصية الدكتورعلي فخرو؛ فهو مايحدث في المؤتمرات التربوية السنوية التي كانت الوزارة تنظمها كل سنة لمدراء وأساتذة مرحلة من مراحل الدراسة، يتم خلالها عرض أوراق عمل ودراسات عن موضوع تربوي معين يواكبون مستجداته ويطوّرون قدراتهم ومهاراتهم فيه وتجري حوله ورش وجلسات ومناقشات لا أبالغ إن قلت الآن إن الدكتور فخرو كان بطل هذه المؤتمرات بكل جدارة واقتدار. فقد كان يحضر جلسات هذه المؤتمرات مستمعاً إلى محاضراتها وأوراق العمل التي تُلقى فيها ثم يشارك في حواراتها ويتنقّل بين ورشاتها مع إدارات المدارس ومعلّميها. أذكر جيّدا في أوّل مؤتمر تربوي حضرته جرى نقاش حادّ بينه وبين عدد من المعلمين حول تمهين التعليم، ربما ارتفعت فيه أصوات الطرفين- الوزير والمعلّمين- إلى درجة أنني خشيت أن يتطوّر الأمر إلى أبعد من ذلك قبل أن اكتشف أن هذه المناقشات عادية بالنسبة له وأن رحابة صدره وانفتاحه وتواضعه فضلاً عن مستواه المعرفي والثقافي هي سبباً يدفع المعلمين للحديث معه بكل أريحية وشفافية، وأتوقع أن كثرة منهم ينتظرون لقاءه لطرح رؤاهم ومشاكلهم وتحفظاتهم وماشابه ذلك من غير خوف أو تردّد.

هذه بعض من ذكريات كثيرة جالت في خاطري ونحن نسجل مع سعادة الدكتور علي محمد فخرو حلقة عن سيرة حياته في مبادرتنا الوثائقية (من ذاكرة الأحياء) التي نستعرض فيها حكايات الأحياء من أهل الفضل والعطاء ومن أصحاب السبق والأقدمية وخدموا وطننا الحبيب في مختلف المجالات. رغم أن فترة تشرفي بالعمل خلال حقبته كانت قصيرة،حوالي سنتين فقط،إلاّ أنها كانت جميلة ورائعة خاصة وأنه كان مديرنا في تلك الفترة هو المربي الوالد الفاضل محمد صالح عبدالرزاق القحطاني، صاحب أفضال وأيادي بيضاء أطال الله في عمره وأمدّه بالصحة والعافية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s