المقالات

هل تكذب أرقام التوظيف بعضها ؟!!

عادة مايُقال أن “الأرقام لاتكذّب” حينما يجري الاستشهاد بها على صحّة أمر ما، وذلك باعتبار أن لها حجيّة تتصدّر الأدلّة والبراهين. غير أن أرقام التوظيف التي يجري نشرها عندنا خلال السنوات الأخيرة باتت حالة مختلفة تماماً تفقد معها هذه الحجيّة شيئاً فشيئاً حتى كادت لاتجد لها من يصدّقها وأصبحت مثاراً للاستفزاز والاستهزاء فضلاً عن الاستغراب وذلك – ربما لسببين: أولهما – وهو الأهم – عدم ملامستها ومطابقتها لما هو في أرض الواقع من تزايد مقلق للبطالة بحيث أن المخلصين والغيارى على هذا الوطن صاروا يضعون يدهم على قلوبهم خوفاً من مآلات تعاظمها بين الشباب. وثانيهما: لكثرة تناقضها إلى درجة أن من يقرأها ويتابع نشرها لن يجد أدنى صعوبة في اكتشاف ذلك.وعلى سبيل المثال وليس الحصر:

1-   نشرت وكالة أنباء البحرين بتاريخ 17 نوفمبر الماضي خبراً بعنوان”وزير العمل الاهتمام بمخرجات التعليم والتدريب يساهم في سرعة إدماج المواطنين بسوق العمل” جاء فيه أنه” تم  توظيف أكثر من (24) ألف مواطن، ما يمثل 122% من الهدف السنوي للأولوية التي تضمنتها خطة التعافي الاقتصادي، وذلك حتى الربع الثالث من العام 2022″.

2-   نشرت جريدة الأيام بتاريخ 7 نوفمبر الماضي تصريحاً للوكيل المساعد لشؤون العمل بوزارة العمل أحمد الحايكي قال فيه: ” إن وزارة العمل تسجل متوسط (3000) حالة توظيف شهرياً ثلثهم من المستجدين في سوق العمل” أي بحسبة بسيطة (3000×12) تكون الوزارة توظف ­(36) ألف مواطن في السنة !!

3-   نشرت جريدة البلاد بتاريخ 8 أبريل 2022م تصريحاً لمدير إدارة التوظيف في وزارة العمل حسين الشامي قال فيه:” أنه يتم تسجيل (15) ألف عاطل سنوياً” أي بمقارنة بسيطة مع أرقام التوظيف التي تعلنها الوزارة نفسها يقفز الاستغراب التالي: كيف تكون أرقام التوظيف أعلى من أرقام العاطلين؟!

4-   أما الرقم (الصادم) فقد جاء فيما نشرته جريدة الأيام بتاريخ 26 فبراير 2022 حيث “قالت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية إنها نجحت في توظيف 70.283 ألف مواطن،وذلك خلال ثلاث سنوات في الفترة من 2019 وحتى نهاية العام المنصرم 2021” علماً بأن فترة السنوات المذكورة قد سيطرت فيها جائحة الكورونا وجثت على كل مناحي الحياة وأصابتها بالشلل والركود والجمود والإغلاق و…. إلى آخره حتى أن الحكومة الموقرة قد قامت مشكورة بتبني صرف رواتب المواطنين من موظفي القطاع الخاص لعدّة شهور حفظاً لاستقرارهم وبقائهم في وظائفهم وعدم تسريحهم ودعماً لصمود شركاتهم ومؤسساتهم وإنقاذها من الإفلاس والإغلاق. وذلك بصورة يصعب معها مجرّد التفكير أنه تم توظيف كل هذا العدد  – (70ألف) – خلال ذات هذه الفترة العصيبة !!

5-   لكن الرقم (المفاجأة) جاء في التقرير الربع السنوي الثالث الذي أصدرته الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي مؤخراً وذكرت فيه أن أعداد المؤمن عليهم المستجدين حتى الربع الثالث من هذا العام 2022 هو (5.731) فقط وفقط. وأترك للقراء الكرام فرصة المقارنة بين هذا الرقم وبقية الأرقام الكبيرة المعلنة للتوظيف مع الأخذ في الاعتبار تصريح سابق لسعادة وزير العمل منشور في جريدة الأيام بتاريخ الأول من شهر أكتوبر 2021 يوضح فيه بأن “بيانات التوظيف مرتبطة مع جهات من ضمنها الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي تتحرك معها وتوثق بشكل يومي من خلال أنظمة الكترونية تعمل بدقة وفقاً للربط والتكامل الإلكتروني”!!

سانحة :

مشكلة أرقام التوظيف المعلنة ليست في مقدار صدقيتها أو عدمها، وليست في التضليل الذي قد ينتج عنها في التصوّر الواقعي لحجم وأبعاد وأخطار قضية البطالة وتداعياتها، وليست في الحالة غير الصحية من الاستهزاء والسخرية التي يتداول بها الناس هذه الأرقام، وليست في الألم والتحسّر الذي ينتاب أفواج الخريجين العاطلين وأولياء أمورهم لاستمرار رؤيتهم هذه الأرقام التي لاتمثل واقعهم وأحوالهم .ليست المشكلة في كلّ ذلك فحسب،فقد تم تجاوزه كلّه؛ إنما المشكلة الحقيقية هنا تكمن في أن استمرار نشر مثل هذه الأرقام تجاه مشكلة هي الأخطرعلى الإطلاق في حياة المجتمعات واستقرارها إنما يضرب إسفينا في الثقة والمصداقية والشفافية المفترضة في العلاقة القائمة بين الحكومة والناس.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s