نافذة الجمعة

السقوط

لايزال كل شخص يفسّر أو يحلّل نتائج الانتخابات النيابية والبلدية وفق ما يحلو له ، تبعاً لتوقعاته أو بحسب توجهاته أو أمنياته أوأحلامه ، صدق فيها أو كذب ، تواضع أو بالَغ فيها . لكنني أريد أن أتحدث عن حالة سقوط أخرى شهدتها الانتخابات ونتائجها هي أسوأ بكثير من خسارة بضعة مقاعد في البرلمان أو المجالس البلدية ربما تزيد أو تنقص أو تنعدم في الانتخابات القادمة ، وربما هي بالنسبة للفائزين في نهاياتها قد تكون مجرّد إضافة سنوات – مجرّد سنوات –  إلى حياة أصحابها ، ولكنها قد لا تضيف حياة إلى سنوات عمرهم ، وذلك بحسب إخلاصهم وجهدهم وإنجازهم .

رأيت في هذه الانتخابات حرصاً وركضاً عند البعض وراء الفوز بتلك المقاعد دون أن يكون لهذا الهلع ضوابط أو سقف أو خط أحمر يجري الامتناع عن انتهاكه ، كل شيء حلال فيها ، الكذب والكيد والإشاعات والرشاوى وأنواع عدّة من التعدّي ، كأنما الأمر يتعلق بأقنعة قد سقطت أو وجوهاً قد استبدلت . كان البعض لا يهمه إلاّ نفسه التي في سبيل إعلائها يمكنه أن يدوس على الآخرين ولأجل وصولها يتجرأ على الكذب أو النفاق أو السبّ والقذف أو الفجور في الخصام أو الكيد للآخرين إما قولاً أو فعلاً أو تحريضاً أو تدليساً أو تلفيقاً أو ما شابهها من صور البغي والظلم الذي لا يفكر هذا البعض في عاقبته ولا ينتبه لسوء تدبيره إلاّ – عادة – متأخراً حينما يمسّه أو يمسّ أهله أو أعزائه شيئاً مما كان يفعله في الآخرين ، أو عند عبرات النادمين في تالي أعمارهم حينما تُطوى وتذبل سني حياتهم ، أو ضمن زفرات وسكرات الراحلين إلى بارئهم عز وجل .

رأيت في هذه الانتخابات كيف يمكن أن يعيش الإنسان متناقضاً – سواء مترشحاً أو ناخباً – بين ظاهره وباطنه أو بين فعله وأقواله أو بين جهره وسرّه دون أن يثير ذلك عنده أدنى استهجان حتى صار ذلك السلوك مقبولاً عنده . واعتاد أن يجعل الله أهْوَن الناظرين إليه وآخر من يخاف منهم فيما يقوم به ويمارسه ، بل وألِف حالة الاغتراب مع نفسه والتناقض مع حقيقة سريرته من غير أن يبادر إلى منحها فرصة للمراجعة أو العودة لتسوية الظاهر مع الباطن ومطابقة الأقوال مع الأفعال .

وبالتالي صار من المتاح أن ترى من يدّعي الصدق لكن الآخرون ينادونه بالكذاب ، وقد ترى من ينادي بالأمانة لكنه مع ذلك هو لايعرفها ، وقد ترى من يدعو للمنافسة الشريفة في حين أنه أسقط الشرف والأخلاق تماماً من قاموسه ، وقد ترى المحتاج وغير المحتاج يذبح كرامته ويعرض بيع صوته في سوق المكيفات والثلاجات والأفران والغسالات والتليفزيونات وماشابهها رغم أنهما من أهل الصلاة وربما من حمائم المساجد العارفين بمعنى لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم للراشي والمرتشي ، وقد ترى … إلخ . غير أن المصيبة الأكبر هو أن هذا الكذاب أو هذا المفسد أو الفاقد للأمانة أو ما شابههم يسـتطيع أن يخفي – رغم الصعوبة –  هذه القبائح على العالم بأجمعه إلاّ نفسه !! إلاّ نفسه !! وقد قال عيسى عليه السلام : ”  ما قيمة الإنسان لو ربح العالم كله ، وخسر نفسه  ؟! “

لا أريد أن استرسل في ذلك لكن من كثرة القصص والحكايات التي سمعناها ولازلنا نسمعها ؛ يبدو أن السقوط الأكبر في هذه الانتخابات إنما هو من نصيب الأخلاق والقيم والأخوة والصلات والتماسك والعلاقات ( بكل حزن وأسف ) .

أضف تعليق