راصد

أبورغال ..

يُحكى أن إبرهة الأشرم ، حاكم اليمن بنى بيتا عبارة عن كنيسة ضخمة وجميلة أسماها ( القليس ) وأراد أن يحوّل العرب من الحج للكعبة المشرّفة إلى الحج لبيته الذهبي . غير أن العرب لم يرتضوا بهذا البيت بديلاً عن الكعبة حتى أن أعرابياً قد غاط في هذا الـ ( القليس ) في يوم تدشينه وافتتاحه إمعاناً في الرفض والإهانة لمقصد إبرهة وفكرته ، فأقسم حينها إبرهة ليهدمنّ الكعبة التي يصرّ العرب على الحج إليها دون بيته ( القليس ) باليمن . وجهّز جيشا يتقدّمهم الأفيال لغزو العرب في عقر دارهم وتدمير كعبتهم وطعنهم في أقدس مقدّساتهم . ولكنه وجنوده لا يعرفون الطريق إلى مكة ، ولا مكانها ، فكانت الحاجة لدليل .

غير أنهم كلما جاؤوا بدليل من العرب ليدلّهم على طريق الكعبة يرفض مهما عرضوا عليه من مالٍ ولم يقبل بهذا العمل سوى شخص يُدعى أبورغال ، قبِل بخيانة قومه والقيام بهذا الدور الدنيء ، وبالفعل تقدّم أبورغال جيش أبرهة يدلّهم على  المسير ويكشف تفاصيل أسرار أرض العرب وقبائلها والطريق إلى مكّة المكرّمة . وتعرفون ماحدث بعد ذلك من هزيمة للأحباش وأبرهة مما ورد عن أخبارهم في سورة الفيل . وظلت بعد ذلك عرب الجاهلية تلعن الخائن أبي رغال ليل نهار وترجم قبره بالنعال والحجر حتى صار رجمه شعيرة سنوية للعرب بعد  الحج في الفترة ما بين غزو أبرهة الأشرم لمكّة المكرّمة في عام الفيل 571 ميلادية وحتى ظهور الإسلام .

ولأن ممارسة هذا الفعل المنحطّ – أن تضع يدك في يد أعداء قومك – كان نادراً وفريداً ومستهجناً عند العرب ؛ صار اسم ( أبورغال ) مضرباً للأمثال ورمزاً للخيانة ، بل نظم العرب في ذلك شعراً ، منها قول مسكين الدارمي :

وأرجم قبره في كل عام         كرجم الناس قبر أبي رغال

وقال جرير بن الخطفي في همام بن غالب الفرزدق:

إذا مات الفرزدق فارجموه          كما ترمون قبر أبي رغال

على أنه جرت منذ ذاك الوقت في الأنهار بأرض العرب مياهاً كثيرة ، فتزايد في ربوعها أمثال أبي رغال ، ممن يضعون أيديهم في يد الأعداء ويدلّونهم على المقتل الذي يذبح قومهم أو يسيء إلى وطنهم أو أمتهم ، وصارت الخيانة ممارسة لايخجل منها أصحابها ، ولا يعدّونها عيباً أو عاراً يستحق فاعلوها أن يكونوا منبوذين في أوطانهم من أقوامهم وأهاليهم ، يُرجمون ويُرمون بالأحجار كما كان عرب الجاهلية يفعلون مع ( أبو رغالهم ) .

أضف تعليق