نافذة الجمعة

أبو عزالدين جالاوي

” لقد تقدم بي العمر وإنني لن أبلغ عهد تحرير فلسطين، وكل ما أؤمله وأرجوه أن يدخل معكم ابني عزالدين لفلسطين وهي محررة ، ثم تربتون على كتفه مبتسمين تقولون يا عزالدين قد كان أبوك بيننا ، كان معنا في نفس الطريق ، ولقد وصلنا يا عزالدين . ثم تنهد واستأنف ، وقال : لكنني حين يكبر ابني وأنا ما أزال حياً ثم يقرأ التاريخ وإذا به يُصدم من قصة شريط من الأرض اسمه “غزة ” تواطأ العالم عليه حتى خُنق وسُحق أطفاله، فإذا التفت إلي عزالدين وقال : يا أبي هل أدركت هذا الزمن كيف تركتم “غزة ” ؟ ألا يخجل العالم ؟ هنا قال الأب :  سأقول له : الله يعلم يا بني أنني لم أترك نَفَساً أملكه لأجلهم إلا بذلته ، لعل عزالدين أن يغفر لي ”  حينئذ لم يتمالك الأب دموعه وشرع في البكاء .

الأب هنا هو النائب البريطاني المعروف جورج جالاوي ، وأما عز الدين ، فهو ابنه الصغير .. قيلت هذه العبارات في برنامج تلفزيوني بثته قناة الجزيرة مؤخراً بمناسبة دخول قافلة شريان الحياة إلى قطاع غزة المحاصر . استمع العالم لهذه العبارات المؤثرة وقرأها عبر مختلف وسائل الإعلام التي تناقلتها بإعجاب وإكبار رغم أنها في حقيقتها تحمل كل معاني الإصغار لقادة وشعوب الدول العربية والإسلامية التي تناقصت في ” غزة ” قامتهم ولم يبق منها شيء أمام عجز وتواطؤ  دولي وعربي غير مسبوق على حصارها وخنقها منذ أكثر من أربع سنوات وحتى الآن .

جورج جالاوي قائد قافلة شريان الحياة الذي استطاع  بمعية (250) شخصية بريطانية و(120) حافلة محملة بالمساعدات الغذائية والدوائية الدخول إلى إخواننا المحاصرين في ” غزة ” وقد أصر جالاوي على أن يقوم بتسليم الشاحنات بما فيها إلى رئيس الوزراء إسماعيل هنيه وقال : إن إسماعيل هنيه ليس رئيسا لوزراء فلسطين فقط بل هو رئيس وزرائنا جميعا .

وجورج جالاوي هو أحد السياسيين الغربيين الشرفاء الذين فاضت بهم الإنسانية حماساً وولاء لقضايا العرب وتسطّر اسمه ضمن سجل الصادقين المنافحين عن الإنسان العربي ضد الظلم والعدوان والغطرسة الصهيونية والأمريكية . بدأ حياته السياسية منذ كان عمره (15) سنة بانضمامه آنذاك إلى حزب العمّال البريطاني ، ثم انتخبه أهالي مدينة جلاسكو  نائباً عنهم منذ عام 1987م  في مجلس العموم البريطاني ولا يزال فيه حيث أعيد انتخابه لعدّة مرات .  واستطاع من خلال عضويته ونشاطه وتأسيسه لاتحاد أصدقاء فلسطين وعدد من لجان الإغاثة عرض صورة صحيحة للحق الفلسطيني والعربي أمام المجتمع البريطاني بعد أن نجح الأمريكان والصهاينة والمتواطئين معهم في وصم المقاومة من أجل التحرير بأنها إرهاب وليست جهاد وشرف وكرامة.

ولم تكن فلسطين وحدها التي عمِل ” أبو عز الدين جالاوي ” لأجلها ؛ بل كانت العراق حاضرة في نشاطه ضمن مكافحته للاستعمار والاستعباد الغربي لعموم الإنسانية . وقف لرئيس حكومته إبّان الغزو الأمريكي للعراق ، وقال له : “عار عليك يا سيد بلير ” كما لم تكن دموعه التي ذرفها عبر قناة الجزيرة على أهالي ” غزة ” وأطفالها المحاصرين هي البكاء الأول أو الوحيد لهذا البطل الغربي ، فقد سبق له أن بكى وهو يحكي قصة الطفلة مريم العراقية ، ذات الست سنوات في أحد مستشفيات بغداد بعدما أصابها العمى والشلل نتيجة استعمال اليورانيوم المستنفد الذي سكن جسدها، وأحالها إلى ذلك الكائن المشلول الأعمى المصاب بسرطان الدم الذي نهش جسمها الناحل مثلما مزّق الاحتلال وطنها ، فلم يملك جالاوي وهو يقصّ حكايتها إلاّ أن أجهش ببكاء بات كثيرون ممن تربطهم بالعراق وأهالي غزة روابط وصلات إسلامية وقومية لايقدرون على المجيء بمثله . فتحية إكبار وإجلال للسيد أبي عز الدين ، جورج جالاوي.

أضف تعليق