براء لغة : التباعد من الشيء ومزايلته ، ومن ذلك البرء ؛ وهو السلام من السقم. وبراء اسم يعني الطاهر من الإثم والعيب ، السَّليم من الخطر أو المرض . قال ابن منظور: ” قال ابن الأعرابي : برئ إذا تخلّص، وبرئ إذا تنزّه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر ” . وبراء اسم لأحد الصحابة المشهورين من قادة الفتوحات الإسلامية وهو البراء بن عازب الذي بكى عندما ردّه الرسول صلى الله عليه وسلم عن المشاركة في غزوة بدر الكبرى لصغر سنّه ثم ما لبث أن غزا مع المصطفى صلى الله عليه وسلم – بحسب صحيح البخاري – خمسة عشرة غزوة قدّم فيها الكثير من البطولات .
لكن براء بزغ اسمه في سماء فلسطين يوم الثلاثاء الماضي كأصغر أسير فلسطيني تفرج عنه قوات الاحتلال الصهيوني ، إذ يبلغ من العمر عاماً ونصف العام ، هي فترة اعتقاله وعمره حتى الآن . وأمّه هي سمر إبراهيم منسي صبيح (24) عاماً من سكان مخيم جباليا للاجئين في قطاع غزة ، قضت فترة محكوميتها البالغة (28) شهراً في سجون الظلم والاحتلال وأضافت نموذجاً فريداً إلى سجل المجد والشرف ، سجل خنساوات هذا الزمن من المرابطين والمرابطات في بيت المقدس وأكنافه ممن لم يضحوا بأوطانهم ولم يبيعوا أراضيهم وبقوا حرّاساً لمقدساتهم . فالمحتل محتل ، والغاصب غاصب لا تغير من حقيقة احتلاله واغتصابه للثرى الطاهر في فلسطيننا العزيزة جميع صنوف الذل والهوان والاستسلام التي تُقدّم له في موائد أوسلو ومدريد وشرم الشيخ وأنابوليس وباريس و… إلخ .
وقفت أم براء مع طفلها يوم الثلاثاء الماضي عند معبر ” إريز ” المطل على قطاع غزة أمام حشد من أهلها وأقاربها وجماهير غزاوية توافدوا لاستقبالها بعد تحررها من الأسر الصهيوني ؛ فرفعت رأسها للسماء ثم كبّرت : الله أكبر ، الله أكبر ثم انخرطت في البكاء وضج المكان معها بتكبيرات الجماهير .
أم براء درست المرحلة الابتدائية في مدارس مخيم جباليا ومنها المرحلة الثانوية لتنتقل بعد ذلك لإكمال دراستها في الجامعة الإسلامية في غزة وتحصل على شهادة في التربية الإسلامية وتكون إحدى ناشطات الكتلة الإسلامية تمارس دورها في بناء المستقبل الفلسطيني وتأخذ مكانها في مقاومة الاحتلال ودرء أخطاره .
تقدم ابن خالها في الضفة الغربية لخطبتها حيث تم ذلك لمدة ثلاثة سنوات متواصلة، وبعدها حصلت على تصريح زيارة إلى مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية حيث يقطن خطيبها لتُزف إليه عروساً في بيت الزوجية لم تمكث فيه طويلاً حيث اعتقلتها القوات الغاصبة بتهمة انتمائها لحركة حماس وأودعتها سجن ” تلموند ” وهي حامل في شهرها الثامن . وبعد يوم تم اعتقال زوجها رسمي جبر صبيح (27) عاماً ليُودع في سجن النقب .
أم براء ، وضعت طفلها البكر من خلال عملية قيصرية في سجنها ، وهي مكبلة اليدين والأرجل في ليلة عصيبة زادت آلام المخاض والولادة من معاناتها فيها ، وظهر للدنيا رضيعها في ذاك السجن الذي تفتحت عيناه عليه وصار مسقط رأسه ومحل نشأته الأولى واختارت أن تسميه ” براء ” لعلّه يكون بريئاً من الخيانة ، منزهاً عن مسالكها ودروبها ، مترفعاً عن الخذلان ، غير راضياً عن بيع الأوطان وتسليم المقدسات . وسيكون براء شاهداً على وحشية الصهاينة وفاضحاً لحماة الإنسانية المزعومة في عالمنا . ولا نستطيع أمام أم براء وطفلها إلاّ أن ننحني لهذه العزة والشموخ ، ولهذه النماذج التي لن يتحرر المسلوب من أرضنا وإرادتنا إلا عن طريقها . طال الزمان أم قصر ، ومهما تلونت المواقف أو تبدلت الثوابت ومهما تعددت مدن وعواصم الاستسلام.
ورحم الله الشاعر توفيق زياد الذي قال في قصيدته المشهورة ” هنـــا بــاقون ” :
هنا.. على صدوركم، باقون كالجدار
وفي حلوقكم،
كقطعة الزجاج، كالصَبّار
وفي عيونكم،
زوبعةً من نار.
هنا.. على صدوركم، باقون كالجدار
نجوعُ.. نعرى.. نتحدّى..
نُنشدُ الأشعار
ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات
ونملأ السجون كبرياء
ونصنع الأطفال .. جيلاً ثائراً ..وراء جيل
كأنّنا عشرون مستحيل
ونأكل التراب إن جعنا.. ولا نرحل!!..
وبالدم الزكيّ لا نبخلُ..لا نبخلُ.. لا نبخلْ..
هنا .. لنا ماضٍ .. وحاضرٌ.. ومستقبلْ..
كأنّنا عشرون مستحيل