في حوار المنامة الذي انتهى قبل حوالي أسبوعين ، أُلقيت كلمات وعُرضت أوراق عمل وتداخل فيه سياسيون واقتصاديون ، تم طرح قضايا على مستوى عالٍ من الأهمية ، لم يعطها الإعلام ما يكفيها من الاهتمام ، ولم تنل نصيبها من الاستعراض بين موضوعات هذا المنتدى الحواري ، ربما لأن الشأن السياسي والقضايا الأمنية والأزمة المالية قد استحوذت على لبّ الحوار وسرقت الأضواء عن مشكلة شائكة تهدّد الهوية والتماسك الاجتماعي والسلم الأهلي ، مشكلة يغصّ بها واقعنا وواقع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية طرحها نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي الشيخ الدكتور محمد بن صباح آل صباح وقدّم لها بقوله : إن انشغالنا كسياسيين ومتخذي قرار عن هذه المشكلة الكبيرة أدى إلى تشعبها وتفاقمها .
الواقع الديموغرافي لدول مجلس التعاون والتحدّي الذي يشكله هذا الواقع في المدى المتوسط والبعيد . كان طرح الدكتور محمد بن صباح آل صباح علمياً دقيقاً وموثقاً بعدد من المؤشرات يجدر بصناع الاستراتيجيات ومتخذي القرار أن يقفزوا بها إلى سدّة اهتماماتهم وقمّة أولوياتهم .
أول هذه المؤشرات : من المتوقع أن يشهد مجلس التعاون أسرع معدل نمو سكاني في العالم، فحسب دراسة حديثة للإيكونومست سيزداد عدد السكان بحلول عام 2020 بنسبه (30%) عما عليه الآن ليبلغ (53) مليون نسمة، غالبيتهم العظمى تحت سن (25) عاماً. وبينما تتجه التركيبة العمرية للسكان في أمريكا وأوروبا إلى الشيخوخة نجد أن الهيكل العمري للسكان في مجلس التعاون شاباً ، حيث يشكّل من هم بعمر أقل من (15) عاماً نسبة (24%) من مجمل السكان ، وهي أعلى نسبة مقارنة بأي مكان في العالم باستثناء أفريقيا. هذا النمو السريع والصغر النسبي للسكان سيشكلان تحدياً حقيقياً لقدرة دول المجلس على توفير فرص عمل لهؤلاء الشباب.
وثاني هذه المؤشرات : طبقاً لتقرير أعده مصرف الإمارات الصناعي حول الخلل في أسواق العمل الخليجية التي تتراجع فيها نسبة العاملين المواطنين مقارنة بالعاملين الأجانب فإن نسبة العمالة الوافدة إلى مجموع القوى العاملة (90%) في الإمارات (62%) بالبحرين (65%) بالسعودية (65%) في عُمان (86%) بقطر و(83%) بالكويت.
ثالثاً : وأظهرت ذات الدراسة أن قيمة التحويلات الخارجية ارتفعت (31%) في عام 2008 لتبلغ (40) مليار دولار مقارنة بـ (30,5) مليار في 2007 ولكي نحيط أكثر بحجم هذه الظاهرة نشير إلى أن دول مجلس التعاون تأتي في المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة في حجم التحويلات الخارجية حيث بلغت لدى الأخيرة (أي الولايات المتحدة) عام 2008 (47) مليار دولار، مقابل ( مليار من دول مجلس التعاون.
على أن رابع هذه المؤشرات وأشدّها خطورة هو بروز ظاهرة الجيل الثاني من العمالة الوافدة (المقيم الذي أنجب وكوّن حياة اجتماعية وانضم أولاده ، أي الجيل الثاني) إلى سوق العمل، وهذا الجيل الذي لا يعرف موطناً آخر غير دول مجلس التعاون التي عمل وعاش فيها يشكل معضلة كبيرة في كيفية استيعابه ضمن الأنساق الاجتماعية والثقافية لمجتمعات دول مجلس التعاون.