عندما تختلط الأشياء ويصعب التمييز حينها بين الغثّ والسمين ، والتفريق بين الإنجاز والإدعاء ، ويتعسّر معرفة الناجحين من الفاشلين أو المبدعين من التافهين أو التمييز بين الروّاد والسفهاء ؛ عندئذ لابد من البحث فيما يفرز بين هؤلاء وأولئك ويكشف حقيقتهم.
ولعلّ من أسهل أدوات الكشف والفرز هاهنا هي التعرف على ” الطبل ” في كل فئة والبحث عنه ، وهي عملية باتت سهلة وميسرة في هذه الأيام حيث يتمتع ” الطبل ” بصوته العالي داخل مجموعته ، ويصعب منافسته ومنازلته ، ليس بسبب كفاءته وقدراته وأطروحاته وإنما للإزعاج الذي قد يسببه لسامعيه والمحتكين به مما قد يندفعون إزاءه بالصمت ويلوذون بالسكوت وينجزون ما لايستطيع فعله في هدوء دونما ضجيج أو أضواء إعلامية يحرص عليها ” الطبل ” وصارت – للأسف الشديد – هذه الأيام من لوازم ” الصنعة ” وأدواتها التي قد يطلّ بها صاحبنا ” الطبل ” كل صباح على الجمهور في الصحف ووسائل الإعلام والديوانيات وغيرها ، يحسبونها شيئاً ويتوقعون منها خيراً لكنهم سرعان ما يكتشفون فراغها وأنها مجرّد صوت ” طبل ” بُذلت في سبيل رفعه واستمرار إيقاعه جهود وربما أموال ليتشابه في نهاياته مع عربة القطار التي كلّما زادت جلبتها وكثر الضجيج الصادر عنها تأكد لمن تمرّ عليهم أنها فارغة .
وجاء في رائعة ابن المقفع المعروفة ( كليلة ودمنة ) : زعموا أن ثعلبا أتى أجمة ( أَجَمَة : مكان فيه شـجر صغير وكثيف وملتف ) فيها ” طبل ” معلق على شجرة ، وكلما هبّت الريح على قضبان تلك الشجرة حركتها فضربت الطبل فسُمع له صوت عظيم باهر. فتوجه الثعلب نحوه لأجل ما سمع من عظيم صوته. فلما أتاه وجده ضخماً ، فظنّ في نفسه بكثرة الشحم واللحم فيه . فعالجه حتى شقّه. فلما رآه أجوف لا شيء فيه قال : ” لا أدري لعل أفشل ( أضعف ) الأشياء أجهرها صوتا “.
فسبحان الله ؛ يجدر بنا بين حين وآخر التأمل في عوالم الحيوانات فلعلّنا نستقي منها شيئاً يعدّل من أطباعنا ويهذّب مشاعرنا . وأتمنى للباحثين عن ” الطبول ” كل التوفيق والسداد .