نافذة الجمعة

المحرق .. قصة هويّة

مواطن يدعى (س) من الناس ، وُلِد في المحرق ، نشأ وترعرع في أحد بيوتاتها ، بيوت لوّل التي تتكون من بعض غرف وحوش كبير و(وارش ) و( بادكير ) و( رواشن ) و( سطح) للبيت ينامون فيه في الصيف إذا اشتدّ الحرّ حيث لا توجد آنذاك مكيفات . بيت (س) متلاصق مع بيوت الجيران ، يمكن يتحدثون مع بعضهم من خلال الجدران ، بيوتهم مفتوحة ، لا يعرفون الأقفال والمفاتيح أو لا يهتمون بها مثل الآن . إذا رفعوا رأسهم إلى السماء تكشفت لهم في النهار زرقة السماء وفي الليل سواده ونجومه المتلألئة. أما الهواء فقد كان نقياً لا تختلط به سوى روائح المشموم والياسمين أو البخور أو ( الياوي ) مما كان يعجّ به المكان .

أما الفرجان فقد كانت واحات رحبة وساحات واسعة يلعب ويمرح فيها الأطفال دون خوف ودون قلق و( محاتاه ) من الأهل ، فالناس تعرف بعضها البعض ، يعرفون الرجل وأبنائه وبناته بأسمائهم وأشكالهم وكذلك النساء ، لا يُخشى على أحد من الضياع أو الاعتداء . وكانت هنالك ( أسياف ) وسواحل هي مصدر رزق غالبهم ، وهي أفضل مكان يدغدغ مشاعرهم وتلاطم أمواجه جدران منازلهم ، ولا نبالغ إن قلنا أن بعضهم كانوا يصطادون السمك وهم واقفين على عتبات بيوتاتهم .

المواطن (س) في صغره كان يرى أهالي المحرق أصحاب فزعات ، لا يمكن أن يتخلوا عن محتاج بينهم ، ومن النادر أن يأكل أحد غداءه دون أن (يتنقّص) لجاره بصحن ( كاب ) من هذا الغداء . وإذا أصاب أحدهم مكروه تجمعوا حوله وإذا حدث فرح في بيت بوسطهم زغردوا و( يببّوا ) له ، وإن توفي منهم شخص خرجوا جميعهم في جنازته واصطفوا في تعزيته بحيث لا تفرّق بين المعزّين وأهل المتوفي . كانوا في المحرق ، متكافلين بدون جمعيات وصناديق خيرية ومترابطين ومتعارفين ومتآلفين ومحبين وودودين ، بالكاد يختلفون أو يفترقون ، لهم مجالس و( قهاوي ) معروفة تكتظ بهم في ( العصاري) و ( قبل المسيّان ) ولنسائهم جلسات ( الضحى ) ولديهم وجهاء – ليسوا نواباً ولا بلديين – هم مردّ الراس وأصحاب فضل ومعروف.

وظلّوا على ذلك في المحرّق سنوات وسنوات قبل أن يجير الزمان على المحرق ويطالها الإهمال والنسيان فيتبعثر أهاليها خارجها  وتشهد أحياءها وفرجانها خروج العشرات من المواطنين والعائلات الذين ما أن تُذكر المحرّق الآن أمامهم حتى تتفطّر قلوبهم حناناً وشغفاً بها ، وقد تنزل دموع بعضهم من مآقيها حينما يتذكرون دُورهم ومنازلهم وحين تمر بذاكرتهم ” أسيافها ” وعرشانها وحين يطرون ” دواعيسها ” وأزقتها .

لكن المواطن ( س) بقي في المحرّق وتمسّك بها مع أهله وأبنائه ، فهو شاهد في صغره على حياة المحرقيين وتنفّس عبقها ومشمومها ، ولعب في فرجانها وحضر مجالسها وسبِح في أسيافها وكان يعرف بيوتاتهم التي كانت هي ملفى الناس ومحالهم وملاذ تجمعاتهم ونواخذتهم ولم يدر في خلده أنه يستطيع مغادرة كل هذا الحب والدفء والحميمية التي نشأت بينه وبين المحرّق . وهذا المواطن (س) صار مخضرماً ، فلقد عايش محرّق الماضي ومحرّق الحاضر التي تحوّلت كثرة من بيوتاتها إلى خرائب وعنابر للعمّال الآسيويين واتخذت بعض فرجانها ودواعيسها تسميات هندية أو باكستانية  . وصار الأهالي من أمثال المواطن (س) يقفلون أبواب بيوتهم في النهار كما في الليل وإذا خرج أحد أطفالهم في الخارج وضعوا يدهم على قلوبهم إلى حين رجوعه، وتمرّ الأسابيع والأشهر دون أن  يجلسوا في حوش بيوتهم بعدما أصبح مكشوفاً أمام العمارات والبنايات وتلاحقهم عيون ونظرات و( تبحلق ) الجيران الجدد من أمثال : (كومار) و( بابو) و( راجو ) و( جمان ) و ( محي الدين ) و( برقيس ) ومثلهم ممن هم دائماً فوق سطوح العمارات ، شبه عراة إلاّ من الفانيلة و” وزار ” إذا لم يكن ” هندرويل ” بعد أن كانت أسماء الجيران ( سالم ) و ( راشد ) و ( مبارك ) و( سعد ) و ( جاسم ) و( عيسى ) ومثلهم  من ( الكافّين العافّين )

وتبعاً لهذا التغير فإن المواطن (س) لايتحصّل الآن على احتياجاته ومؤونته المنزلية من البرادات والبقالات إلا نادراً أو بشقّ الأنفس بعد أن اضطرّت هذه المحال لتوفير مؤونة مختلفة تتناسب مع احتياجات ( كومار ) وأصحابه من العزّاب الذين اكتظّت بهم بعض الفرجان وغصّت منهم الناس ، وصار الخوف والتوجّس والاغتراب أمراً ملازماً للعائلات من أمثال عائلة المواطن (س) الذين يعلّقون آمالهم الآن على جهود القيادة الرشيدة بإعادة المحرّق إلى شيء من سابق عهدها وحلّ مشكلاتها الإسكانية وحسم مسألة ساكنيها الجدد من العمالة الآسيوية العازبة . وأيضاً الالتفات بقوة إلى مسألة الهوية وضرورة إنقاذها مما تئنّ منه ، مما فاض به المؤتمر الأخير المنعقد في رحاب البحرين عن هويتنا ..

 

أضف تعليق