نافذة الجمعة

امتحـان (20) بنسـاً

إغراء المال والجاه معضلة نفسية لايقدر على تجاوزها إلاّ الصادقون والمخلصون لمعتقداتهم ومبادئهم ولايتعدّى امتحانها سوى الأقوياء الذين يستطيعون الصمود أمام مختلف الغوايات والابتزازات . وهؤلاء يشكلّون – بالإضافة لكونهم نماذج وقدوات – حوائط صدّ وحماية رصينة  لما يحملونه من أفكار وقيم تحتاج إلى من يدافع عنها بأفعاله وسلوكه أكثر من أقواله وادعاءاته .

يُقال إنه انتقل ذات مرّة إمام أحد المساجد إلى مدينة لندن ببريطانيا، وكان يركب الباص دائماً من منزله إلى البلد ، وبعد انتقاله بأسابيع ، وخلال تنقله بالباص، كان أحياناً كثيرة يستقل نفس الباص بنفس السائق  .وذات مرة دفع أجرة الباص وجلس، فاكتشف أن السائق أعاد له (20) بنساً زيادة عن المفترض من الأجرة . فكّر الإمام وقال لنفسه أن عليه إرجاع المبلغ الزائد لأنه ليس من حقه . ثم فكر مرة أخرى وقال في نفسه : “إنسَ الأمر، فالمبلغ زهيد وضئيل ، و لن يهتم به أحد ، كما أن شركة الباصات تحصل على الكثير من المال من أجرة الباصات ولن ينقص عليهم شيئاً بسبب هذا المبلغ، إذن سأحتفظ بالمال وأعتبره هدية من الله وأسكت.

توقف الباص عند المحطة التي يريدها الإمام ، ولكنه قبل أن يخرج من الباب ، توقف لحظة ومد يده وأعطى السائق الـ (20) بنساً وقال له : تفضل، أعطيتني أكثر مما أستحق من المال!!  فأخذها السائق وابتسم وسأله : ” ألست الإمام الجديد في هذه المنطقة؟ إني أفكر منذ مدة في الذهاب إلى مسجدكم للتعرف على الإسلام، ولقد أعطيتك المبلغ الزائد عمداً لأرى كيف سيكون تصرفك”!! وعندما نزل الإمام من الباص، شعر بضعف في ساقيه وكاد أن يقع أرضاً من رهبة الموقف!! فتمسك بأقرب عامود ليستند عليه ، ونظر إلى السماء ودعا باكياً: يا الله ، كنت سأبيع الإسلام بـ (20) بنساً!!

ولذلك ؛ ليس أسوأ من أن يسقط في مثل هذا الامتحان – إغراء المال والجاه – من يتصدّرون مواقع الدعوة والخطابة والإمامة ويتوقع منهم الناس مطابقة توجيهاتهم لمسلكياتهم ويرون فيهم الحرص على أن يكونوا السباقين للالتزام والصدق والأمانة والتقى والورع وماشابهها من صفات وأخلاقيات قد تنهار أمام أي تصرّف من قبل هؤلاء الأئمة والمشايخ والخطباء لايستقيم مع ما يرفعونه من شعارات وينادون به من دعوات . وفي هذه الحالة لايكون الضرر والإيذاء منصباً على شخوصهم بذاتهم وإنما سيكرّسون صورة مشوّهة عما يحملونه ويعرفهم الناس به .

 

أضف تعليق