نافذة الجمعة

” My Name is Khan “

هناك فرق شاسع بين التسامح والضعف ، فالتسامح قيمة إنسانية عظيمة حملتها الأديان السماوية إلى البشرية فكانت عنواناً للتعارف والعلاقات والمعاملات ، ومرجعاً عند الخلافات والأزمات . ولكن الضعف صفة نكرة تبغضها النفوس السوية وتكره الشعوب والأمم أن تتكيف معاملاتها وفق مثل هذه الصفات النكرة التي تضعف الهيبة وتجرّأ الآخرين على سوء التعامل وتتطوّر إلى الاستبداد والمهانة . وهذا هو الحاصل الآن حيث يكثر ترديدنا لألفاظ ومباديء التسامح في صورة ( انبطاحية) وانهزامية أمام الغرب الذي نزع هذه القيمة من قاموسه ومفردات تعامله مع المسلمين .

غني عن البيان أن المسلمين إبّان قوتهم وبروز سلطانهم كان التسامح أحد أهم أسباب إعجاب ذوي الديانات والمعتقدات الأخرى بالإسلام ، والتسامح هو البضاعة التي حملها تجّار المسلمين إلى مختلف بقاع الدنيا آنذاك ، سواء في الصين أو في أصقاع أفريقيا أو تخوم أوروبا ، فكان دخولهم إلى الإسلام واعتناق شرعته لما رأوه من حسن تعامل وتسامح المسلمين . وفي ذات الوقت الذي شاع عن المسلمين سماحة شريعتهم لم يكن أحد يجرأ – استغلالاً لهذه السماحة – أن يتعرّض لأبناء المسلمين بسوء ، وهاهو الخليفة العباسي المعتصم بالله يسيّر جيشه لرد الاعتبار لإحدى نساء المسلمين ، وهاهو الخليفة هارون الرشيد ورسالته الشهيرة التي انتصر فيها لكرامة المسلمين وافتتحها بعبارة ( من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نيثابور كلب الروم ، إذا وصلتك رسالتي فانتظر جيشاً أوّله عندك وآخره عندي ) .

في زماننا  الأنكد الآن صار المسلمون من الضعف وقلّة الحيلة في مهبّ الرياح ، وبات قدرهم في الرد على الضربات والهجمات التي تصيبهم الشجب والاستنكار  رغم أنهم قد يملكون مايردّون به عن أنفسهم  أو حتى يهدّدوا من يفكّر في التجرّأ عليهم . الشواهد على ذلك أكثر من أن تُعدّ وتُحصى ، القتل والقصف والغزو والتعذيب والتنكيل والتشريد والاحتلال والحظر والملاحقات والحصار والسجن والعقوبات ومنع الحجاب وحظر النقاب ووقف بناء المآذن و… إلخ ، كلّها مفردات إذلال وأفعال امتهان يمارسها الغرب بلا خجل ويوجهها ضدّنا بلا استحياء ، ومع ذلك لايفتأ زعماؤنا وقادتنا ومفكرونا ومثقفونا وكثرة من المنهزمين عندنا يتكلّمون عن التسامح بينما توقيتها وظروفها يفسّرها على أنها مرادف للضعف والخوار ، ودليل على الخَرَس واستيطان السكوت على الهوان ، وأبلغ وصف لها هو قول الشاعر :

من يَهْنْ يَسْهُلُ الهَوَانُ عليْه
مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيــــلامُ

للأسف الشديد فإن القتل والفتك في بلاد العرب والمسلمين بلا حساب ولاهوادة ، في العراق كما في فلسطين كما في أفغانستان كما في …. إلخ ، وإرهابهم ضد المسلمين نراه عبر الفضائيات ومختلف وسائل الإعلام والمساجين بلا محاكمات ، والسّجانون في كل مكان ،  لا لشيء سوى أننا صرنا  خيولاً لاتصهل ! وأننا مطالبون على الدوام بأن نثبت للعالم – على الرغم من المذابح والمجازر التي ترتكب في حقنا – أننا ضدّ العنف والإرهاب ، وأننا متسامحون حتى النخاع  ، ولو أمعن الآخرون في الإضرار والتنكيل والتمثيل بنا !

ولذلك لامكان أو وجاهة  للإصرار على قصر توجيه دعوات التسامح للمسلمين وحصر الإرهاب والتطرّف عليهم وحدهم ، دون سواهم . ومن ذلك الفيلم الهندي  العالمي ” My Name is Khan ” الذي يجري عرضه في مختلف دول العالم حالياً ومنها دور سينما البحرين ويحمل في مضمونه أهدافاً نبيلة حول قيمة التعايش والتآلف ، إذ يحكي قصة شاب مسلم يدعى ” رزفان خان ” مصاب بمتلازمة ” أسبيرغر” منذ طفولته، يعيش في الولايات المتحدة، ويتعرف إلى فتاة تنتمي إلى الطائفة الهندوسية، فيتزوجها بعد قصة حب، ليعيش معها ومع ابنها حياة هادئة في بيتهم المتواضع قبل أن تأتي أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتقلب حياة هذه العائلة السعيدة، كما فعلت مع غيرها، فينفض الناس من حول هذه العائلة لانتمائها للإسلام، حتى أن زملاء طفل العائلة ” سمير” أصبحوا يعاملونه بطريقة عنصرية لأنه يحمل اسم ” خان ” رغم أنه ينتمي إلى الطائفة الهندوسية. ثم تطلب الزوجة “مانديرا” من زوجها “خان ” مغادرة المنزل، فيسألها بكل براءة: “متى يمكنني أن أعود؟” لتفاجأ هي بالسؤال، وتستهزئ منه بالقول: ” إن بإمكانه العودة عندما يخبر الجميع، بمن فيهم الرئيس الأمريكي بأن اسمه “خان” وأنه ليس إرهابيا ” وبعد تطورات معينة ينجح “خان” في مقابلة الرئيس المنتخب آنذاك “باراك أوباما” ويوصل رسالته أمام العالم أجمع، ويعود ليعيش مع حبيبته “مانديرا”، التي استطاعت بفضل الحب والتسامح التخلص من أحقادها ونسيان مأساة ابنها.

في الحقيقة نحتاج إلى أفلام عربية وإسلامية كثيرة تحمل عناوين مثل : اسمي “محمد الدرّة” أو “عبير الجنابي” أو “جميلة الهباش” أو “هدى غالية” أو ” علي مثنى ”  أو ما شابههم من أسماء في قائمة تطول ولا تقصر عملت – ولازالت – آلة الإرهاب والتطرّف الأمريكي والصهيوني على ذبحهم أو تقطيع أوصالهم وأطرافهم أو خطفهم أو ذبح آبائهم وأمهاتهم أمام مرأى عيونهم أو دكّ منازلهم ومزارعهم وقراهم على أهلهم أو استخدام الأسلحة الفتاكة المحرمة في إزهاق أرواحهم أو تعذيبهم في السجون والمعتقلات مما يرفض إزاءها المنطق والعدالة أن نخصّ المسلمين على وجه الحصر والقصر بدعوات التسامح والتعايش بينما غيرهم أحرار ، رغم تلوث أياديهم حتى النخاع بدمائنا ورغم فظاعة جرائمهم وانتهاكاتهم بحقنا ..

أضف تعليق