تقول العرب في أمثالها فلان أحمق من هبنقة ! وذلك عندما يبلغ بها الحال مراتب متقدمة لوصف سوء التصرف والعاقبة التي تأتي من قبل الحمقى الذين يُقال عنهم في التعبير الدارج : الأشخاص الذين قفلوا أدمغتهم وأضاعوا المفتاح.
ولكن ، من هو هبنقة ؟ هو يزيد بن ثروان من بني قيس بن ثعلبة ، ويضرب به المثل في الغباء والحماقة حتى غدا أعجوبة من أعاجيب الزمان في مجاله ووقته ، وإليه يُعزى ضرب هذا المثل العربي المشهور : أحمق من هبنقة ! وله في ذلك قصص وحكايات كثيرة منها أنه كان يعلق في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف، فلما سئل عن سرها قال: أخشى أن أضيع نفسي، ففعلت ذلك لأعرفها وأعثر عليها إن ضاعت! وذات ليلة سرق أحد الظرفاء القلادة وعلقها في عنق شقيق هبنقة، فلما رأى أخاه قال له: يا أخي أنت أنا، ولكن من أنا؟!
كما كانت لهبنقة فلسفة خاصة في رعي الإبل، فقد كان يصطحب الإبل السمينة إلى المراعي الخصبة، ويأخذ المهازيل إلى المراعي الفقيرة، فلما سئل عن السبب قال: الله خلقها هكذا، وليس من شأني تغيير خلق الله!! واختصمت قبيلة “طفاوة” مع قبيلة “راسب” حول رجل حكيم ادعت كل قبيلة أنه عَرَّافتها، وقد حُكِّم هبنقة في النزاع فقال: نلقي الرجل في الماء، فإن طفا فهو من “طفاوة”، وإن رسب فهو من بني “راسب”!
وحدد أبو حاتم بن حيان الحافظ علامة الأحمق ، فقال : سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار .. وقال حكيم آخر : ” إن الأحمق يعرف بثماني خصال هي: الغضب من غير شيء- والإعطاء في غير حق- والكلام في غير منفعة- والثقة بكل أحد- وإفشاء السر- ولا يفرق بين عدوه وصديقه- ويتكلم في ما يخطر بباله- ويتوهم أنه أعقل الناس ” !
فمن ابتلى بصحبة الأحمق فليكثر من حمد الله على ما وهب له مما حرمه ذاك . وقد قال الشاعر :
أما الحماقةُ لا تقرَب لصاحِبها وإن بليتَ فَعُذ بالله وابتهِل
وعموماً فإن الدنيا مكتظة بأمثال هبنقة …وعلينا الحذر منهم فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : ” : ” لا تؤاخي الأحمق فإنه يشير عليك ويجهد نفسه فيخطئ، وربما يريد أن ينفعك فيضرك، سكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته” .