رغم وجود قواسم اجتماعية مشتركة كثيرة بين البحرين والكويت إلا أنه أمر محير هذا النجاح الذي حققته الكويت في مجال الجمعيات التعاونية الاستهلاكية والفشل شبه الذريع لنفس هذه الجمعيات في البحرين . فكرة تأسيس تلك الجمعيات في البلدين متقاربة زمنياً إذ تم البدء في إنشائها في أواخر ستينيات القرن الماضي ، لكنها في البحرين لم يبق منها سوى جمعية أو اثنتين بينما في الكويت ؛ فهي الآن تستحوذ على (70%) من تجارة التجزئة فييها وتمثل أحد أهم المعالم الاقتصادية والاجتماعية في الكويت إذ تنتشر فيها ما يقارب (50) جمعية تعاونية استهلاكية يتبعها (70) سوقاً مركزياً وحوالي ثلاثة آلاف سوق فرعي .
تطورت في الكويت الجمعيات التعاونية حتى غدت كل جمعية مثل المجمع التجاري الذي يتكون من سوق مركزي كبير يحتوي على سائر ما يحتاجه الإنسان من سلع استهلاكية بالإضافة إلى مطاعم ومخابز واستراحات ومقاه وفروع للبنوك ومكتبات وصيدليات وما شابه ذلك من خدمات استقطبت المواطنين والمقيمين في الكويت وجعلت من هذه الجمعيات مركز مشترياتهم وتبضعهم الرئيسي وشبه الوحيد في سائر احتياجاتهم الاستهلاكية والتموينية .
وتعمل هذه الجمعيات هناك تحت مظلة اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية الذي تم انشاؤه في عام 1971 وتحظى بدعم حكومي قوي يتمثل في توفير أراض مجانية لمقراتها وتمنع الترخيص لمؤسسات تجارية شبيهة لها في ذات المنطقة ، كما أنها تترك أمر إدارتها وتصريف شؤونها لسكان المنطقة ذاتها الذين يبذلون شديد حرصهم على نجاحها وكذلك ربحيتها ومحافظتها على أسعار سلعها وخدماتها من خلال من ينتخبونهم لإدارتها من المتخصصين الأمناء المخلصين في ذات المنطقة . ومن اللافت أن بعض هذه الجمعيات تخصص ما نسبته (25%) من أرباحها السنوية على الخدمات الاجتماعية في المنطقة التي توجد فيها ومن هذه الخدمات تنظيم رحلات الحج والعمرة ومساعدة المدارس والمستشفيات ببعض احتياجاتها الضرورية . ومن المشروعات الرائدة في هذا المجال قيام الجمعيات التعاونية بإنشاء مستشفى تخصصي حديث لأمراض القلب والأشعة التشخيصية بتكلفة إجمالية تقدر ب (15) مليون دينار .وتبعاً لذلك فإن هذه الجمعيات التعاونية ليست تجارية ، أي لا تسعى للربحية بقدر حرصها على تقديم أفضل الخدمات بأنسب الأسعار لأهل ديرتها ومنطقتها دون زيادة ودون نقصان ودون أيضاً تركها نهباً للمنتفعين والحرامية .
في البحرين ، وفي خضم هذا التدهور الحاصل في الأسعار ، خاصة في المواد التموينية والاستهلاكية ؛ قد يكون من المناسب إعادة النظر في مسألة إحياء هذه الجمعيات التعاونية مرة أخرى ونفخ الروح فيها لعلها تُسهم في تحسين الأوضاع المعيشية وتعيد الضبط والربط في الأسعار بانبثاق مؤسسات تعاونية من بين الناس وتحت إدارتهم وتلبي حاجتهم .
وأملنا كبير في أن النشاط الواضح والمميز الذي تبذله سعادة الدكتور فاطمة البلوشي وزيرة التنمية الاجتماعية على مستوى إنشاء وتنظيم المراكز والمجالات الاجتماعية ؛ يشمل أيضاً هذه الجمعيات التعاونية الاستهلاكية التي صارت أثراً بعدما كانت عيناً .