لايستطيع أحد أن يحكم على مايجري داخل السجون أكثر ممن تعرّض لها وعاش أحداثها وغاب وراء قضبانها ، فيكون بعدها شاهد حق على صدقية دعاوى حقوق الإنسان و(شنشنات) التسامح والتعايش التي صارت بضاعة يرددها الكل بينما يحتاج إثباتها إلى أدلّة على أرض الواقع والممارسة . بين يدي قصة عن معتقلين اثنين ، أحدهما في سجون حركة طالبان المتهمة على الدوام بتشددها وتشويهها للإسلام . وثانيهما في سجون غوانتنامو التابعة لأمريكا ، رافعة لواء الحرية وحامي حمى حقوق الإنسان .
المعتقل الأول ؛ هي صحفية بريطانية ، اسمها إيفون رايلي ، تجاوزت العقد العشرين من عمرها ، دخلت أفغانستان خلسة وتهريباً ، واجتازت حدودها بلا فيزا ولا جواز سفر ، ومعها كاميرتها لتصوير ما يجري في أفغانستان . وقعت في أسر حركة طالبان ، وذلك قبل الغزو البري والجوي الأمريكي ، ومكثت في الاعتقال عشرة أيام ، تم خلالها – بحسب روايتها – استجوابها بكل هدوء وإنسانية ، فلم يجز أحد شعرها ، ولم تُفتش تفتيشاً مذلاّ ، بل فتشتها امرأة بعيداً عن أعين الرجال ، ولم يتعرض لها أحد بسوء ، ولم يتم الاعتداء عليها أو حتى تهديدها جنسياً ، ولم تُصفع أية صفعة أو تُركل على أي جزء من جسدها من مجاهدي حركة طالبان . بل كانت تسبّهم وتشتمهم إلى درجة أنه في إحدى المرات ناقشها أحد قادة طالبان في بعض المسائل فما كان منها إلا أن بصقت في وجهه ، فلم تُقتل ولم تُصلب هذه الصحافية بسبب هذه الفعلة الخارجة عن الذوق الإنساني العام . عوملت أفضل معاملة ، وقدموا لها الطعام والشراب على أكمل وجه.
لقد كان بإمكان ( الإرهابيين الطالبانيين ) أن يحكموا عليها بالإعدام بتهمة التجسس أو قتلها والإدعاء بأنها قتلت في القصف الأمريكي العدواني على الأفغانيين العزل ، أو تبقيها في الأسر ، خلف القضبان لسنوات وسنوات ، ومن يستطيع إخراجها ، لكنها خرجت بعد عشرة أيام فقط من الاعتقال ! وعندما تجمع مئات الصحفيين حولها ينتظرون قنبلة تصريحاتها ضد الطالبان، فكان جوابها لهم : لقد أحسنوا معاملتي ، فصُدموا وخيم عليهم الصمت !!
لم تنته القصة هنا ، حيث قامت إيفون رايلي بعد الإفراج عنها بقراءة ترجمة القرآن الكريم الذي استلمت نسخة منه في سجنها وسارعت لإشباع فضولها عن الإسلام الذي كان يتحدث عنه معتقلوها من الطالبانيين ، كيف وهي قد رأت بأم عينيها التسامح الإسلامي ، والاحترام الإسلامي للمرأة ، وليس كما كانت تسمع ويشاع عبر وسائل الإعلام المختلفة ، التي تشن العدوان الإعلامي على جميع أبناء الأمة الإسلامية في جميع أنحاء الكرة الأرضية .
خرجت بعد ذلك الصحافية الإنكليزية إيفون رايلي لتعلن إسلامها على الملأ ، بقناعة واقتناع داخلي ذاتي ، وتدافع عن الإسلام في ندواتها ومحاضراتها عموما وعن المعاملة الحسنة التي لقيتها في السجن ( الطالباني ). وقد استضافها مؤخراً مركز الوعي للعلاقات العربية الغربية بدولة الكويت الشقيقة ، وهو مركز يهدف إلى فتح الحوار مع الغرب ، ألقت محاضرة استعرضت فيها فترة اعتقالها التي كانت سبباً في اعتناقها للإسلام ثم ختمتها بقولها : ” إنني ألقي محاضرتي عليكم باللبس الشرعي الإسلامي الذي أعطاني إياه نظام طالبان في السجن هناك ، وأحمد الله أنني سجنت في نظام طالبان الذي يصفونه بالشرير ، ولم أسجن في معتقل غوانتانامو أو أبوغريب للنظام الأمريكي الديموقراطي ، كيلا يغطوا رأسي بكيس ويلبسوني مريولا برتقاليا ، ويربطوا رقبتي بحزام ، ويجروني على الأرض بعد أن يعرّوني !! “.
وعلى النقيض تماماً ؛ يأتي المعتقل الثاني ، واسمه خالد ، وهو مراهق في الخامسة عشرة من عمره ، سافر في رحلة عادية مع والديه إلى باكستان لزيارة أقارب لهم ، دخلها بشكل رسمي ، بفيزا وجواز سفر ، من الباب ( المطار ) وليس من الشباك أو تسلّق السور مثل الصحفية البريطانية إيفون رايلي . هناك تم اختطاف خالد وزُجّ به في معتقل “جوانتانامو” المعروف ، حيث التعذيب والألم والرعب، مكان لا يفترض أن يدخل إليه مراهق في مثل عمره، ولا يعرف إذا كان سيفلت منه يوما.
ومن المنتظر أن يتم الإعلان في العاصمة البريطانية بتاريخ 26 يناير القادم عن فوز رواية “جوانتانامو بوي” بجائزة “كوستا بوك برايز” عن فئة رواية الأطفال وهي إحدى الجوائز الأدبية البريطانية العريقة ، الرواية الفائزة لـ ( آنا بيريرا ) أستاذة اللغة الإنجليزية والمسؤول عن جمعية تعني بالشباب الذي يعاني من مشاكل ، تحكي فيها قصة هذا المعتقل الصغير ” خالد” من السفر إلى الاختطاف ثم الاعتقال ، تكشف خلالها زيف الادعاءات الحقوقية الأمريكية وتلقي الضوء على حجم الانتهاكات ومقدار الهمجية وكذلك تظهر الفرق بين نوعين من السجانين : حركة طالبان الأفغانية والكابوي الأمريكي .