راصد

ابن بطوطة .. في الأراضي الفلسطينية !!

 

يحكى أن ابن بطوطة قد نفض غبار قبره وأمسك بصهوة قلمه وقرّر استئناف كتابته في مقدمته التاريخيــة المشـــهورة ، فكانت الأرض المســلوبة المســـماة قـســـراً ( إسرائيل ) أولى محطاته ، حيث رأى أقواماً وجوههم مشـدوهة ومن شـدّة الخوف مذهولة وبطلب الأمن والأمان مشغولة وسراديبهم وملاجئهم مكتظة ومزدحمة . وقيل لابن بطوطة أن هؤلاء هم الأبرياء شذاذ الآفاق وتكتل الشتات ممن استولوا على أرض الرباط والمحشر وتستهدفهم الآن بعض الصواريخ ( البدائية – يدوية الصنع ) من قبل إرهابيين فلسطينيين توّاقون إلى سفك الدماء ولا يتوانون من أجل ذلك حتى ولو كلفهم ذلك دفع حياتهم أثماناً لما يتوقون إليه !

ولما رأى ابن بطوطة هذه النفوس المفزوعة سألهم : لماذا يحمل عليكم هؤلاء الإرهابيين من الفلسطينيين ؟ فأجابوه بأنهم لم يرتكبوا ضدهم شيئاً يُذكر ،  اللهم إنهم فقط قد اغتصبوا ديارهم واحتلّوا وطنهم وشردوا أهاليهم واعتقلوا شبابهم ورمّلوا نساءهم ويتّموا أبناءهم وشتّتوا أسرهم وأقاربهم في المنافي والمهاجر كما نالتهم منا بضعة مذابح ومجازر على مدار أكثر من خمسين سنة .

وعندما أحسّ هؤلاء المساكين بنبرة تعاطف معهم من قبل ابن بطوطة بقوله : يا حرام !! أضافوا أن مجرمي الحرب الفلسطينيين لم يقوموا بواجب الضيافة اللازمة لنا وكانوا يؤذوننا بين حين وآخر ببعض انتفاضات مسـلحة قوامها الحجر وعمــادها المقلاع ، وصار أطفالهم يرشقوننا بأسلحتهم الفتاكة هذه صباح مساء .

سأل ابن بطوطة هذه الحِملان الوديعة : وكيف تدافعون عن أنفسكم ؟ فأجابوه قائلين أن الدفاع عن الوطن والكيان حق مشروع كفلته الشرائع السماوية كما هي القوانين الدولية ، ولذا فنحن نستخدم الدبابات والمدافع والقنابل نتوغل بها في قراهم ومدنهم وأحيائهم ونختطف بواسطتها ناشطيهم ونغتال بالأباتشي والصواريخ قادتهم ، وفي طريقنا أيضاً نهدم بعض منازلهم ونجرّف مزارعهم .

وبدت حينئذ على قسمات ابن بطوطة علامات الحيرة والتعجب : إذن كيف لم تقضوا على مقاومتهم رغم كل ذلك ؟! فقالوا له : ألم نقل لك بأنهم إرهابيين يحبون موتنا ويتلذذون بقتل الأبرياء مثلنا ، ونحن أشد عجباً منك إذ لم يفلح معهم حتى الحصار الشامل المفروض على مدنهم وقراهم ، والذي به قطعنا أرزاقهم وزدنا من فقرهم وعوزهم كما لم يحدّ من عملياتهم الإرهابية ضدنا حتى الجدار العازل الذي أقمناه حولنا!

ثم رأى ابن بطوطة خلال تجواله في هذه الأراضي المنكوبة اجتماعات وتحركات محمومة فيها فلسطينيين وعرب وأمريكان ويهود منهمكون في ترتيب معادلة رياضية صعبة تتعلق بكيفية تحقيق الأمن لإسرائيل وتوفير الطمأنينة  لليهود ، حمامات السلام بين هؤلاء الذئاب البشرية ! فعرف أن من هؤلاء المجتمعين من يلاحق هؤلاء الإرهابيين الفلسطينيين نيابة عن قوى الأمن الإسرائيلي ومنهم من يتطوع بتقديم معلومات عن مواقع زعاماتهم وقادتهم الميدانيين حتى يسهل عمليات اغتيالهم واستهدافهم والتخلص منهم ، ومنهم من يخرج يومياً على الفضائيـات يناشــد الفلسطينيين عدم الدفــاع عن أنفســـهم ووقف إطلاق صواريخهم ( البدائية) على مستوطنات سديروت وعسقلان ويدعوهم لإتاحة المجال للدبابات والآليات العسكرية الغاصبة تمارس عملها قتلا وفتكا فيهم بكل أريحية وراحة بال دون منغصات من هذه الصواريخ ( البدائية ) .

غير أن ابن بطوطة قال لمستضيفيه من اليهود وعملائهم  ظانّاً بأنه سيخبرهم بشيء جديد : إنما يستمد هؤلاء الإرهابيين والمجرمين قوتهم ودعمهم من العرب والمسلمين وهم سبب قوة بأسهم وشكيمتهم وتجرؤهم عليكم ، فالمسجد الأقصى لا يخص الفلسطينيين وحدهم ؛ بل هو مسرى رسولهم صلى الله عليه وسلم وأولى قبلتهم وثالث مساجدهم ، فاستدركوا عليه سريعاً : هذا الكلام في السابق أما الآن فإن العرب والمسلمين كرماء جداً ويؤدون واجبات ضيافتنا على أكمل وجه ، فهم كفونا مشقة حراسة حدودنا وتكفلوا بمنع بقية الإرهابيين من التسلل إلى أراضينا وقدموا لنا خدمات كثيرة بعضها معلن وبعضها سري جداً .بل إنه حينما اختار هؤلاء الإرهابيون الفلسطينيون حكومتهم بأنفسهم ممن يحملون ذات الفكر الإرهابي ضدنا نحن مغتصبي أراضيهم ومحتليها ؛ حينها قرر العالم معاقبتهم على سوء اختيارهم ففرض عليهم حصاراً لم يسبق له مثيل كان لغالب الدول العربية والإسلامية نصيب السبق في إحكام هذا الحصار ، ومنهم من تحمّس لتجويع الفلسطينيين أكثر منّا نحن المتضررين من إرهابهم .  بل لهؤلاء الإرهابيين الفلسطينيين أنفسهم قادة وسلطة من ذات جلدتهم حريصون علينا أكثر من أنفسهم ، ويتحلون بصبر وتحمّل لا يحسدون عليه حتى أننا نقصفهم ليلاً لكنهم يفاوضوننا نهاراً ويبادلوننا الضحكات .

قال ابن بطوطة أنه لم ير أعجب من ذلك في جميع رحلاته وقرر أن يضيف فصلاً جديداً في مقدمته سمّاه فصل ” العار والشنار ” وجعل أوراقه سوداء .. سوداء .. سوداء .

مع شديد اعتذاري لابن بطوطة يرحمه الله .

أضف تعليق