راصد

اختطاف السياحة !!

حين يجوب المواطن اليوم أي حاضرة من حواضر البلدان المتقدمة أو البلدان السياحية أو حتى المدن القريبة منّا ستروعه المنتزهات والحدائق الموزعة على أنحائها ، وقد اخضرّ زرعها وتمايلت أغصانها ، وتعطّر الجو بشذى أزهارها وورودها ،  فهذه المنتزهات هي حلية المدن وجمالها ، وروحها ومتنفسها ،  خاصة في بعض أسابيع الصيف الطويل عندنا الذي تكاد تشعله الشمس ناراً ، وكلنا يعلم تأثير النخيل والأشجار في تنقية الهواء المتكدّر بفعل المصانع والعوادم والمداخن والغبار والأتربة التي تفسد الهواء وتسيء إلى صحة الناس.

      ولا عجب بعد هذا  كله أن تعتبر المنتزهات والحدائق رئة تلك البلدان ، وكثرتها والعنـايــة بها دليل رقيها وتحضّر أهلها، ولن يقدرها حق قدرها أو ينفق من أجلها عن سعة إلا من حرص على أن يتدبر للنـاس راحتهم ويحفظ لهم صحتهم وبيئتهم . وإذا كانت هذه المنتزهات والحدائق بالنسبة للكبار كذلك فهي للأطفال جنتهم البهيجة ورياضهم الرائعة ، حيث يمرحون بها ويرتعون، ويجرون في طرقاتها وممراتها  ويتظللون أغصانها ويلعبون على حشائشها الناعمة .

        وحين يجوب المواطن أيضاً أي حاضرة من حواضر البلدان الأخرى ، خاصة تلك التي تُصنف جغرافياً ضمن الجزر – بالضبط كالبحرين – التي تحدّها البحار من كل صوب وجهة ؛ سيعرف للبحار متعتها وسيكتشف زرقة لونها وصفاء مياهها ، وسيلامس جسده رمالها الذهبية وقد يتسمّر أمام الأمواج ويمخر عبابها ويسترخي على الشواطيء الناعمة ويداعب مياهها لساعات طوال متأملاً تلك الطبيعة الخلابة والمناظر الآسرة .

        وحين يجوب المواطن كذلك أي حاضرة من الحواضر الأخرى سيجد مهرجانات التسوق الممتعة ومهرجانات الألعاب المتنوعة التي يزيدها حيوية تدفق الناس عليها وتستقطبهم أسعارها وتسهيلاتها وهداياها .

        وإذا كان هذا هو حال الحواضر والمدن القريبة منا ، في الخليج وليس في أوروبا ، فما بال البحرين تختلف عنهم ولانجد فيها إلا ماترون من حدائق ومتنزهات مهترئة ذات أغصــان يابسة وأشجار وحشائش جافة وبحار فقدت جمالها ونضارتها واختفت النظافة من سواحلها وبعضها صارت أماكن للمخلفات والأنقاض ومراتع للقاذورات دون أن يتحرك أحد من الجهات المسئولة لإعادة الاعتبار لبلد كانت معروفة فيما مضى من الزمان بالريادة في بحارها والعيش من خيراتها وكان من ضمن مفاخر مسمياتها ” بلد المليون نخلة “

        ماهي أسباب هذا العزوف السياحي عن البحرين ؟ من أهلها وجيرانها رغم أنها تمتلك ذات المقومات الطبيعية والجغرافية والمناخية التي عند الآخرين ممن تشدّ العائلات البحرينية رحالها إليها في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي التي حوّلت أراضيها إلى جنّات من الجمال والبحار والاخضرار واستقطبت الآلاف ممن ينشدون الراحة والاستجمام أو التسوّق أو العلاج أو الحدائق أو الاستكشاف والتعرف على الآثار والاطلاع على التراث أو غيرها من المجالات التي لن يعدم القائمون على السياحة في بلدنا الحبيب طريقة في الوصول إليها خاصة بعد استرجاع مفهوم ومرافق السياحة من بعض الأيادي التي اختطفتها لسنوات طوال وحصرتها في بضع أنشطة لم نحصل منها إلا ما ترون وتقرأون وتسمعون من إساءة لسمعة بلدنا وعاداتنا وقيمنا وهروب العائلات البحرينية والخليجية  .

أضف تعليق