راصد

الدكتور شويدح .. في رحاب الله

هو رجلٌ يحمل بندقيةً ويصعد الجبل مرابطاً مع المجاهدين في قمة مرضه، ويخاطبه المجاهدون: أبا أيمن، عُد إلى بيتك وارحم مرضك. فيقول: أكملوا السير فنحن لا نتعب. ثم يلتفت إلى أخٍ مقربٍ إليه قائلاً بصوتٍ هامس: امشِ خلفي حتى إذا سقطتُ متعباً أمسكتَ بي كي لا أنحدر على سفح الجبل!! هو رجل صام نهار رمضان وقام ليله ، ورابط ليلةً أو يزيد من لياليه في سبيل الله على جبال الحدود في غزة مع إخوانه المرابطين لحراستها من الكيان الصهيوني ، وهو رجل ودَّع حياةَ المال والبنين وشدّ الرحال إلى حياة الخلود . وضرب أروع الأمثال في مسؤوليات العلماء والقادة والوزراء.

هو أبرز علماء وفقهاء فلسطين الذي نعته أكثر مانعته لجان المقاومة الفلسطينية الشعبية وكافة الفصائل كأحد أبطالها وعلمائها المجاهدين الذين قضوا حياتهم في مقاومة المحتلين وأقض مضاجعهم وأدخلوه سجونهم ولم يتخلى عن سلاحه حتى بعد أن أصبح وزيراً ، بل وحتى في مرضه كان حريصاً على نيل أجر المرابطين في سبيل الله ومرافقتهم ، ولم يقل للمرابطين : اذهبوا أنت وربكم فقاتلوا إنا هاهنا قاعدون ، وإنما كان فعله يقول : اذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا إنا معكم مقاتلون .

إنه الدكتور أبو أيمن ، أحمد ذياب أحمد شويدح، عميد كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية ، وعضو رابطة علماء فلسطين ووزير العدل ووزير الأسرى في الحكومة الفلسطينية ، المولود في غزة  14/1/1959. حصل على درجة الدكتوراه في العام 1997م من كلية الشريعة بجامعة أم درمان الإسلامية . وحصل على درجة الماجستير في العام 1988م من كلية الشريعة بالجامعة الأردنية. وكان قد حصل درجة البكالوريوس عام 1984م من كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية في غزة. وفي العام الحالي عُين وزيراً للعدل في الحكومة الفلسطينية، وكلف أيضاً بوزارة الأسرى وشئون المحررين. 

اجتمع حوله أبناؤه في ليلة وفاته ؛  فقالوا: أوصنا يا أبانا. فقال : عليكم بالتقوى. وسلم الروح إلى بارئها في يوم العيد وقد ترك سبابته مرفوعةً تنطق بالشهادتين إلى يوم يلقى ربه.  وقد انطلق في ثاني أيام عيد الفطر المبارك موكب تشييع جثمانه الطاهر بالآلاف يجوب شوارع غزة التي تبدلت فيها أجواء الفرحة والسعادة بالعيد إلى أجواء من الحزن والدموع على فراق أحد أعلام الشعب الفلسطيني ومجاهديها وصلوا عليه بالمسجد العمري الكبير الذي لطالما شهد له بقيام الليالي الأخيرة في شهر رمضان المبارك. حتى أن شاباً وقف على أحد جدران المسجد العمري من الداخل ، وقد بللت الدموع لحيته ولسانه يلهج بالدعاء بأن يرحم الله العلامة الدكتور شويدح وأن يتقبله ؛ وقف مذكراً المشيعين والناس بالأماكن التي شهدت سجود جبهته – رحمه الله- في الأيام الأخيرة من رمضان بصلاة التراويح وقيام الليل.

وكان من المظاهر التي أثارت مشاعر المواطنين والمشيعين، هي دموع رئيس الوزراء إسماعيل هنية التي انهمرت حزناً على فراق أحد رفقاء دربه وصلاته وأحد وزراء حكومته، وذلك أثناء إلقاء كلمته التي عدد فيها مناقب الراحل وإنجازاته . الكثير من الشباب والوزراء والنواب كان مشهدهم كمشهد رئيس وزرائهم ، دموع غرغرت في عيونهم لفراق هذا العالم الفقيه المجاهد الوزير الفذّ الذي لم يتمكن من تلقي العلاج في الخارج بسبب الحصار الظالم المفروض على إخواننا في غزة ممن يحق لنا أن نقول فيهم قول الإمام الشافعي رحمه الله :

تموت الأسد في الغابات جوعاً            ولحم الضأن تأكلـه الكـلاب

أضف تعليق