هو هنري ألفريد كيسنجر الذي يُطلق عليه مهندس الرحلات المكوكية وعرّاب سياستها حيث عاصر إدارتي كل من الرئيس ريتشارد نيكسون التي شغل فيها منصب مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي في الفترة 1969 – 1973 ووزيراً للخارجية في إدارة الرئيس جيرالد فورد في الفترة 1973-1977، عدا عن كونه مستشاراً في السياسة الخارجية في إدارتي كل من الرئيسين كينيدي وجونسون . ثم عينه الرئيس رونالد ريغان في عام 1983، رئيساً للهيئة الفيدرالية التي تم تشكيلها لتطوير السياسة الأمريكية تجاه أمريكا الوسطى. وقام الرئيس جورج بوش (الإبن) بتعيينه رئيساً للجنة المسؤولة عن التحقيق في أسباب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.
ويُعد من ألمع وأهم الشخصيات التي ساهمت في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، وقد حقق أثناء عمله في البيت الأبيض مستشاراً للأمن القومي ووزيرا للخارجية إنجازات مهمة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم، ومنها الانسحاب الأمريكي من فيتنام، وفصل القوات على الجبهة العربية الصهيونية عام 1974، ومعاهدة الحد من التسلح SALT التي عقدت مع الاتحاد السوفييتي ناهيك عن دوره في جهود التسوية في الشرق الأوسط وحصل على جائزة نوبل للسلام في عام 1973 . ورغم أن عمره الآن قد تجاوز الرابعة والثمانين خريفاً إلاّ أنه لا يزال يمارس دوره في الآلة الأمريكية المسعورة ضد العرب والمسلمين كغيره من الغربان الذين ما أن يحلّوا في مكان أو يوجهوا سهامهم وأنظارهم نحوه حتى يُصاب ذاك المكان بالبوار . وعلى ذلك يمكن التنبؤ بما قد يحلّ في دول الخليج نتيجة ما أظهره كيسنجر من حسد أو تحريض ضدها في مقالته التي كتبها بالتعاون مع البروفيسور مارتن فيلدشتاين، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد وكبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان بعنوان The Power Of Oil Consumers ونشرتها صحيفة “انترناشيونال هيرالد تريبيون” بتاريخ 18 سبتمبر الماضي حيث قال :” إن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى نشوء أكبر ظاهرة بالتاريخ لانتقال الثروات من منطقة بالعالم إلى أخرى، الأمر الذي قد تكون له آثار سياسية مستقبلية ” . ” وإن دول أوبك ستحصل خلال العام الحالي على ما قد يصل إلى تريليون دولار (ألف مليار) . وأضاف : ” أنه لكي تتجنب الدول الغربية المستوردة استمرار تعرضها لفرض دول أوبك أسعارا مرتفعة للنفط عليها من خلال التلاعب بالعرض، فإن عليها أن تقلص أولاً اعتمادها على النفط المستورد، وثانيا تطوير استراتيجية سياسية لمواجهة هذا التلاعب بالسوق وكذلك لتجنب قيام دول أوبك باستعمال أرصدتها الماليـة الكبيرة للابتزاز السـياسي والاقتصـادي ” وذكر عددا من العواقب التي قد تترتب على عدم قيام الدول الغربية المستوردة بتغيير استراتيجيتها تجاه دول النفط ، تصبّ كلها في خانة التحريض السافر الذي لا يصدر إلاّ عن غربان استقر عند العرب أنه كلما كثر نعيقهم في مكان فهناك دلالات على أن هناك شيء ما يُدبّر فوق الأرض ، فإما أفعى تريد أن تتلقف الصغار في عشها أو هناك ثعلب أو ذئب يكشّر عن أنيابه للبدء في المكر بالانقضاض على وجبة جديدة .
وبالفعل لم تمض بضعة أيام على تصريحات كيسنجر حتى بدأت في الظهور أزمة مالية هي أشبه بالكارثة أو الإعصار الذي قد يقضي على تريليون دولار (ألف مليار) وأكثر التي حسد دول النفط عليها . فاللهم احفظ بلداننا وأوطاننا من شرور الغربان ، ما ظهر منها وما بطن .