ليس من ثمة اعتراض على نشر أسماء وصور المجرمين والمفسدين والمخالفين والمنتهكين للقوانين على الملأ من خلال وسائل الإعلام متى ما ثبتت إدانتهم وصدرت الأحكام القضائية بشأنهم ، باعتبار أن النشر في حد ذاته عقوبة رادعة لهؤلاء المجرمين ولمن تسوّل له نفسه القيام بمثل أعمالهم . غير أنه ينبغي التأكيد بألا يكون النشر قبل التحقق من الإدانة ، أو في مراحل الاتهام والتحقيق لأن السلطة القضائية وحدها التي تملك حق تقرير الإدانة من عدمها ، أما قبل ذلك فيظل المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته ، فكيف بالتشهير باسمه وصورته ؟
إن هذا الحق – رغم منطقيته وبداهته – بات الآن أيضاً محفوظاً بالقانون واللوائح . وقد نص البند (5) بالمادة (246) من قانون رقم (65) لسنة 2006 بتعديلها من قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1976 ” يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة التي لا تجاوز مائة دينار من نشر بإحدى طرق العلانية : 5 – أسماء أو صور المتهمين قبل صدور حكم نهائي في الدعوى ودون الحصول على إذن من النيابة العامة ، أو المحكمة المختصة حسب الأحوال ، ويعاقب بذات العقوبة من تعاون مع وسائل الإعلام الأجنبية بتزويدها بأسماء أو صور هؤلاء المتهمين “
على أن واقع الحال ينبيء بخروقات لهذا الحق وغفلة – أو تغافل – عن حكم المادة (246) وانتهاكاً لمباديء العدالة والإنصاف وطعناً في خصوصيات ماكان لها أن تُمس في ظل وجود هذه المادة . إذ تطالعنا الصحف ووسائل الإعلام المختلفة بين حين وآخر بقضايا وتجاوزات تُنشر أسماء أصحابها ، وتُنقل آراء المتهمين ودفوعاتهم مثلما تُنقل عن جهات الاتهام ورفع الدعوى ، وقد يستمر النشر والتداول لأيام وربما أسابيع رغم أنها – القضية – لازالت في طور التحقيق لدى النيابة العامة أو في انتظار المحاكمة . بمعنى أن هذا النشر قد تم بخلاف حكم المادة (246) من قانون العقوبات. فمن يحفظ لهؤلاء المتهمين حقوقهم المنتهكة ؟ ومن المسؤول عن هذا التجاوز القانوني ؟!
على أن الأمر الأكثر غرابة هو أن تصدر أحكام قضائية نهائية ضد متهمين بعينهم ويُصار إلى تنفيذ العقوبة ، ويتم نشر قضاياهم والأحكام الصادرة عليهم من دون حتى الإشارة إلى أسمائهم في مفارقة واضحة بين ذاك النشر الممنوع وهذا النشر المسموح به ، بل وأحياناً يكون مطلوباً خاصة إذا تعلقت جرائمهم بفساد واختلاسات مالية وامتلاك وإدارة شبكات وفنادق ومناهل وبارات خراب ودعارة يستحق أصحابها فضحهم على الملأ بدلاً من التستر عليهم أو تقديم بعض الضحايا الأجانب كقربان عنهم !
البند (5) من المادة (246) في قانون العقوبات صدر بناء على اقتراح من مجلس النواب في فصله التشريعي الأول ، وتُحسب له في حفظه لحقوق الناس وإنصافهم لكنها تحتاج – فيما يبدو – إلى جهة ما تتحكم في تطبيقها وضبطها .