كانت هذه العبارة” أمريكا تعبت ولابدّ من التغيير ” هي روح شعارات الحملات الانتخابية الأمريكية ، ولعلها هي التي أفرزت في نتائجها ثلاثة تغييرات تاريخية غير مسبوقة في مجمل تاريخ الحياة السياسية للولايات المتحدة الأمريكية . وكان أولها : حجم المشاركة الشعبية الواسعة في الانتخابات إذ بلغت أكثر من (62%) وفي بعض الولايات تجاوزت ال(70%) وهي أرقام غائبة عن انتخاباتهم منذ عام 1908م . وثاني تلك التغييرات أن يصل إلى سدّة الحكم في البيت الأبيض لأول مرة من بين (43) رئيساً تعاقبوا على رئاسة أمريكا شاب لم يتجاوز عمره السابعة والأربعين . أما ثالث هذه التغييرات – وأكبرها – أن يترأس أسود من أصل أفريقي دولة عظمى كان مجتمعها إلى عهد قريب يضع لافتة على بعض مؤسساته ومطاعمه ومرافقه عبارة مفادها ” ممنوع دخول الزنوج ” !
هذا الأسمر الذي قلب الطاولة على رؤوس الساسة وحقق هذه التغييرات المفاجئة في المعادلة الانتخابية للرئاسة الأمريكية هو باراك حسين أوباما المولود في شهر أغسطس من عام 1961 في ولاية هاوي لأب كيني مسلم أسود اسمه ( حسين ) كان يدرس في أحد برامج جامعة هاوي وأم أمريكية بيضاء من ولاية كنساس. واسم باراك هو النطق السواحيلي( اللغة الوطنية في كينيا) للكلمة العربية بارك، حيث إن مئات الكلمات في اللغة السواحلية ذات أصول عربية.
وخلال دراسة هذا الرئيس الأسمر كطالب جامعي في لوس انجيليس جرى تسجيل شريط فيديو له وهو يقول “إنه يريد أن يصبح رئيسا للجمهورية الأمريكية ثم يعلق هو نفسه على تصريحه هذا بقول” لم لا؟” وقد أصبح أوباما في شبابه أضحوكة بسبب هذا الفيديو دون أن يعلموا أن حلمه هذا يمكن أن يتحقق في يوم ما .
يقول بعض المراقبين أن البداية الحقيقية لبوحسين في المعترك السياسي كانت قبل أربع سنوات ، وبالضبط في مؤتمر الحزب الديمقراطي الذي عقد في 27 يوليو 2004 حيث ألقي فيه خطاباً أطلق عليه خطاب “جرأة الأمل ” استقطبت حينها ملكاته الخطابية أذهان الحاضرين وشدّت انتباههم بعض عبارات حماسية وردت فيه من مثل “لا وجود لأميركا يسارية وأخرى محافظة، هناك الولايات المتحدة الأميركية،لا وجود لأمريكا سوداء وأخرى بيضاء أو لاتينية أو آسيوية، هناك الولايات المتحدة الأميركية فقط. نحن واحد” وبعد انتهاء خطابه غادر المنصة وسط تصفيق حار من الجمهور الذين أثار إعجابهم رغم أنه لم يكن يشغل حينذاك أي منصب في الحزب ، فكانت انطلاقته من هذا الخطاب الشهير و خاض بعدها في الثاني من نوفمبر 2004 انتخابات مجلس الشيوخ وفاز فيها. ثم أنه أصدر في عام 2006م كتاباً حمل عنوان نفس ذاك الخطاب “جرأة الأمل ” حصلت مبيعاته على أرقام ضخمة ، كان يردد فيه أنه اضطر إلى تعلّم الكفاح في سبيل تحقيق ما أريده.وسُأل ذات مرة في إحدى المقابلات :لماذا تعتقد أن الرجال الذين تتمتع أمهاتهم بشخصيات قوية وآباؤهم غائبون يحققون النجاح في السياسة؟فقال أوباما : قدمت تفسيرا في كتابي جرأة الأمل ولست أول من توصل إليه: “إما أن يحاول الرجل أن يحقق توقعات والده أو التكفير عن أخطاء والده”
وأوباما تعهد في خطاب له بعد أن حقق مفاجأة كبيرة بعد فوزه الساحق بانتخابات “أيوا” التمهيدية على منافسته هيلاري كلينتون أن يكون رئيساً للأمريكيين جميعاً وليس للقلة النفطية التي تغامر بمصالح البلاد من أجل تحقيق مصالح جماعات الانتفاع الخاص والمكاسب الشخصية، وأكد “بوحسين” التزامه بتوحيد أمريكا بعد أن مزقتها تحالفات المصالح وخطاب التفريق.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية ؛ فإن أوباما لم يبدر منه شيئاً يكفي لأن يعلّق عليه بعض المسرورين بفوزه آمالاً بشأنها حيث أن ” بوحسين ” زار الكيان الصهيوني عام 2006 وعبر عن سعادته بتلك الزيارة، وزار البيوت التي هدمتها صواريخ حزب الله ، والتقى بأسرة أسير حماس (جلعاد شاليط) وأسر أسرى حزب الله ، واعتبر ” أن إسرائيل هي البقعة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة ، واعتبر أن إيران تشكل تهديدا لإسرائيل لا بد من عدم ترك إسرائيل في مواجهتها لوحدها”
ألف مبروك لبوحسين وتهانينا لكينيا التي أعلنت أن يوم أمس (الخميس ) عطلة رسمية بمناسبة فوز أحد أبنائها أو أصله كيني برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد نزل الشعب الكيني في شوارع نيروبي ابتهاجاً بهذا النصر وكان لسان حالهم يغني ” أسمر عبر مثل القمر “