قالوا : في الصمت سبع فوائد : عبادة من غير عناء ، وزينة من غير حلي ، وهيبـة من غير سـلطان ، وحصن من غير حائط ، واســتغناء عن الاعتــذار لأحــد ، وراحة للكرام الكاتبين ، وأخيراً ستر لعيوب الجاهلين . وقالوا : إن الحكمة عشرة أجزاء : تسعة منها الصمت ، والعاشرة قلة الكلام .
يجهل الكثير من الناس أن الصمت أداة من أدوات التعبير وعند النقاد والأدباء هو لغة من لغات التخاطب لا يقلّ أثرها عن الكلام نفسه إن لم يكن أكثر خاصة عندما يمتزج هذا الصمت بصور من الوقار والترفع . ويحسب كثيرون أن الصمت أسلوب سلبي أو له دلالات على الضعف والخوار بينما قد يكون العكس هو الصحيح . وفي ذلك أقوال مأثورة وأشعار وأمثال كثيرة تصب جميعها في أن الصمت حكمة لا يتمتع بها إلا من يجيد استخدامه ويجعله خلقاً من عاداته ونهجاً في حياته على خلاف أولئك الذين يحرصون على الرد ومقارعة الكل ويضحون بأوقاتهم ويبذلون جهودهم وقد ينفقون من أموالهم في سبيل ألاّ يكونوا صامتين فيحرمون أنفسهم من هذه القيمة والفضيلة التي قال عنها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ” إن أحببت سلامةَ نفسك وسترَ معايبك ، فأقلل كلامك وأكثر صمتك يتوفر فكرَك ، ويستنر قلبك ، ويسلُم الناس من يدك ” وسُئل عامر بن مرة الزهري : من أحمق الناس؟ فقال : من ظن أنه أعقل الناس، قالوا: صدقت فمن أعقل الناس ؟ قال : من لم يتجاوز الصمت في عقوبة الجهال .
وفي موروثنا الشعبي يقولون ” أن الناس صنفان : ناس تحشمهم وناس تحشم نفسك عنهم ” وأحسب أن الصنف الثاني هو المقصود بممارسة الصمت معه خاصة حينما يفجر في الخصومة ويفقد بسببها عقله ومكانته واتزانه ويخسر الكثير الكثير مما يُعمي بصره وبصيرته عن أن يراه ويكتشفه رغم وضوحه كوضوح الشمس في عزّ الظهيرة ، فيظل صوته وكلامه مرتفعاً ومستمراً دون أن يأبه بأن الطرف الصامت قد التزم بدعوة الإمام الشافعي رضي الله عنه في شعره المشهور :
يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلماً كعود زاده الإحراق طيبا
وقال شاعر أيضاً ما يُشار إليه في موروثنا الشعبي ” الحِقران يقطّع المِصران “:
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
فإن كلّــمته فرّجت عنــه وإن خلّـيته كمــداً يمـوت
ولذلك أعجب من بعض الناس ممن لا يفوتهم أن يتركوا شاردة ولا واردة في كلام يمسهم أو يعنيهم إلا ويسلّون سيوف أقلامهم وألسنتهم بالرد أو التفنيد أو المقارعة أو الانتصار لأنفسهم ظنّاً منهم بسلامة هذا المسلك على إطلاقه دونما اعتبار لجهالة أو استفزاز أو نذالة أو سفاهة لا تستحق سوى الترفع عنها والالتزام بما أوردناه في موروثنا الشعبي ” احشم نفسك عنهم ” أو بقول الشاعر :
إذا سبني نذل تزايدت رفعة و ما العيب إلا أن أكون مساببه
ولو لم تكن نفسي علي عزيزة لمكّنتها من كل نذل تحاربــه
وليس الصمت إلا نوع من أنواع القوة والمنعة والحكمة والاقتدار مهما ظنّ الآخرون غير ذلك حتى أن بعض القوم استنكروا على الإمام الشافعي رضي الله عنه ذات مرّة صمته وسكونه عمن خاصموه ؛ فردّ عليهم :
قالوا سكتّ و قد خوصمت قلت لهـم إن الجواب لباب الشر مفتــــاح
الصمت عن جاهل أو أحمق شــرف وفيه أيضا لصون العرض إصـلاح
أما ترى الأُسد تُخسى وهي صامتـة والكلب يُخسى لعمري و هو نبّاح
وجاء في رائعة ابن المقفع المعروفة ( كليلة ودمنة ) ، قال دمنة : زعموا أن ثعلبا أتى أجمة ( أَجَمَة : مكان فيه شـجر صغير وكثيف وملتف ) فيها طبل معلق على شجرة ، وكلما هبت الريح على قضبان تلك الشجرة حركتها فضربت الطبل فسمع له صوت عظيم باهر. فتوجه الثعلب نحوه لأجل ما سمع من عظيم صوته. فلما أتاه وجده ضخما ، فأيقن في نفسه بكثرة الشحم واللحم . فعالجه حتى شقّه. فلما رآه أجوف لا شيء فيه قال : ” لا أدري لعل أفشل ( أضعف ) الأشياء أجهرها صوتا وأعظمها جثة “.