قلنا سابقاً وسنظل نقول ، يحزّ في النفس أنه بعد كل هذه السنوات والعقود الطويلة من التعليم والتنمية والتدريب والخبرات المتراكمة وكذلك المكتسبة في البحرين تستمر مسألة الاستعانة بغير البحرينيين في عدد من التخصصات والمجالات ، مع أن هذه السنوات والعقود في مقاييس الدول وسنن الكون يمكن أن ينشأ فيها جيل أو جيلين أو ثلاثة أو أربعة وحتى خمسة أجيال وأكثر تستطيع أن تدير وتطوّر هذا المجال أو ذاك التخصص ، وتستطيع الدول أن تصنع فيها عشرات أو مئات الأفراد المناسبين لشغل عدد من الوظائف القيادية والعليا والخبراء والمستشارين في بعض وزاراتنا ومؤسساتنا بدلاً من تركها في مهبّ الريح وتجربة مرور جنسيات مختلفة عليها دون أن يُرى لهم أثر واضح وبارز يعضّد ويبرّر استمرار الاستعانة بهم .
إنه شيء غريب ومثير للحيرة والاستغراب أن نقول للعالم أنه مضى على دخول التعليم النظامي عندنا ما يقارب القرن الواحد ؛ لكننا مع ذلك لا نزال نستعين بين فترة وأخرى بمستشارين وخبراء ورؤساء تنفيذيين وماشابههم من خارج أبناء البحرين ، ومن جنسيات متعددة ومتنوعة لإدارة مرافق أو تطوير مؤسسات أو إقالة عثرات شركات ، في تخصصات نحسب أنه بعد كل هذه السنوات من التعليم والتأهيل والابتعاث والتدريب يصعب علينا أن نقول أننا لازلنا نفتقر إليها ، وذلك إن صحّ أن تكون هذه التخصصات صالحة أصلاً لتصنيفها في خانة التخصصات التي يمكن الافتقار إليها . فالكفاءات والقدرات البحرينية يُفترض أنها تستطيع أن تحلّ في هذه المجالات وتمسك بزمامها وتدير دفتها بكل حرص وتفان على قاعدة ” ماحكّ جلدك مثل ظفيرك “
ويزيد من مرارة هذا الأمر تزامنه مع تصريحات المسؤولين حول اعتزازهم بالثروة البشرية البحرينية وأنها أفضل أدواتنا واستثماراتنا وماشابهها من إشادات تضعفها وتقلّل من شأنها عملية تهميش البحرينيين والاستعاضة عنهم بثروات بشرية من بلدان أخرى ، تارة من أوروبا وأمريكا وتارة من استراليا وتارة من سنغافورة وأخرى من اليابان وأخرى من لبنان ، وهكذا دواليك ، والحبل على الجرّار .
يمكن أن نجد عذراً لو أن تلفزيون البحرين وإذاعته – مثلاً – هما في طور الإنشاء أو قد تأسّسا للتو ، منذ شهر أو شهرين فيقال بأهمية الاستفادة بالخبرات العربية أو الأجنبية في هذا المجال والاستعانة بها للسير بأعمال التلفزيون والإذاعة نحو برّ الوجود وتحقيق الاستقرار . غير أن هذا المرفق الحيوي الهام قد مضى على تأسيسه ورؤيته للنور عقود ، بل عقود طويلة من السنين ، إن أول بث إذاعي بحريني ظهر في أربعينيات القرن الماضي وأول بث تلفزيوني بحريني كان في سبعينيات القرن الماضي أيضاً ، أي مضى مايقارب السبعين عاماً للإذاعة وحوالي الخمس والثلاثين عاماً للتلفزيون ، وربما أكثر مما لا يستقيم معها القول بأنه طوال هذه العقود والسنين لم نستطع بكل إمكانياتنا وتعليمنا وقدراتنا وأموالنا صناعة وتأهيل مواطنين من البحرين يستطيعون النهوض بالإذاعة والتلفزيون وتطويرهما !! فيُصار إلى الاستعانة بغير البحرينيين في صورة لاتنقصها الغرابة وربما الاستهانة والاستخفاف بالطاقات والكفاءات الوطنية التي لاتحتاج إلاّ إلى نوع من الثقة وحسن الاختيار والتحفيز تفجّر لديهم الإبداعات وتصنع التغيير وتحقق التميّز .
أخشى أن أقول مشكلتنا أن التغيير والتطوير في بعض وزاراتنا ومؤسساتنا صار يرتبط بشخص الوزير أكثر من ارتباطه ببرنامج حكومة أو عمل مؤسسي أو آليات تنفيذ ودراسة وتطوير ومتابعة أو وسائل تقييم وفحص . الحاصل حينما يأتي وزير في أي وزارة يمكن أن ينسف جهود وإنجازات سابقيه ويبدأ في خطط تطوير وإعادة تنظيم وفحص وتشخيص تتوصل بعدها إمكانياته وقدراته وتوجهاته إلى أن الخلل في هذا الجانب وأن الحل – حسب استنتاجاته – يكون من خلال هذه الخطط والتعيينات ( ويمكن الاستغناءات أو تضييق وقطع أرزاق ) وما شابهها من الإجراءات ومنها مثلاً اللجوء إلى مستشارين وخبراء من الجنسية الفلانية . ولكن حينما يتبدّل هذا الوزير ويأتي وزير آخر ليبدأ الفحص والتشخيص مجدداً ، ووفق إمكانياته وقدراته وتوجهاته أيضاً فيظهر له أن الخلل ليس فيما توصلت إليه ( نباهة ) من سبقه ، وأن الحلّ والمعالجة ليست بخطط وتعيينات واستغناءات وإجراءات الوزير السابق وليس عن طريق الجنسية الفلانية التي قرر سابقه الاستعانة بها ويلزمه إجراءات مختلفة وكذلك اللجوء إلى الجنسية ( العلاّنية ) الأخرى !! أرجو أن أكون مبالغاً في ذلك لولا أن واقع الحال قد ينبيء عن وجود شيء من هذه الممارسة التي يكون من تداعياتها – بالإضافة إلى تفاقم أزمة الثقة بالكفاءات الوطنية وإلغاء دور العمل المؤسسي – عدم وجود دراسة جدوى فعلية للاستعانة بهؤلاء العرب أوالأجانب ، سواء من تلك الجنسية أو تلك – مع كامل احترامنا وتقديرنا لهم – وعدم وجود استشراف واستمزاج واقعي لما يمكن أن يقدّموه من إضافات ويحققوه من أهداف تستحق أن يكون سقف رواتبهم وعلاواتهم وامتيازاتهم يسيل لها لُعاب كثرة من البحرينيين من أصحاب التخصصات والمؤهلات والخبرات في هذا المرفق أو ذاك التخصص ناهيك عن ذوي الدخل المحدود ممن يعتقدون أن قيمة ما سيُصرف على أمثال هؤلاء يمكن أن تفكّ وتفرّج به ضوائق وكرب عدة يعانون منها في معيشتهم وسويّة حياتهم .