يحكى في الأساطير الأغريقية أن شخصاً يُدعى سيزيف اشتغل بالتجارة وعُرف في مجتمعه بأنه مخادع وكذّاب وفي ذات الوقت قاده جشعه إلى خرق القوانين وتجاوز الأعراف والعادات المرعية فقتل حتى المسافرين والضيوف واشتهر بأنه أمكر وأخبث البشر على وجه الأرض وأكثرهم لؤماً . كان من بين جرائمه الكثيرة أنه أغرى ابنة أخيه واغتصب عرش أخيه ونصب – حسبما يُقال – على آلهة النهر ( أسوبوس ) وارتكب الكثير من الأفعال السيئة والمشينة التي تعرّض بسببها لأقسى أنواع العقاب وأعنفه .
فقد تم إجباره – كعقوبة له – على أن يدحرج صخرة عملاقة إلى قمة جبل وما أن يصل إلى قمته حتى تنحدر منه الصخرة مرة أخرى وتسقط إلى أسفل عند سفح الجبل فيعود مرة أخرى لدحرجتها إلى قمة الجبل وما أن يصل إلى قمته حتى تنحدر مرة أخرى لأسفله . وهكذا يظل سيزيف في هذا العذاب الأبدي إلى أن يموت . غير أن هذه الأسطورة مضت مثلاً سارياً حيث يُقال ” صخرة سيزيف ” لكل من يقوم بمهمة وهو يعلم أنها لن تنتهي ولا جدوي منها ويبذل من جهده ووقته ويكافح كفاحا مريرا وهو يعلم أن نهاية جهده هو الفشل .
والناظر في نفسه وفي عمله وفي كثير مما يحدث حوله قد يتفاجأ بأن ” صخرة سيزيف ” قد توالدت وأنجبت صخوراً كلها تصلح تسميتها أو نسبتها إلى ذاك البطل الأسطوري المسمى ” سيزيف ” ! على مستوى الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات ممن قد يبذلون كلّ ما في وسعهم ، وأكثر ، ويخططون ويرسمون ، ويُتعبوا أذهانهم في استخلاص نتائج وتوقعات ، وقد ينفقون من أوقاتهم وأموالهم ، دون ملل أو كلل ، وبلا هوادة تستغرب إذا اكتشفت فيما بعد أنهم كانوا يعملون كل ذلك وهم متأكدين من فشلهم وخيبتهم رغم ما يبدو للعيان من جهود مبذولة هي في نهاياتها بالضبط كالصخرة التي حملها سيزيف في غابر الأزمان ليرتقي بها قمة الجبل لكنها تتدحرج وتعود إلى نقطة البداية كلّما قارب تلك القمّة . ربما تكون الأسباب ليست في قوة وبسالة سيزيف ولكنها في خبثه ومكره وخداعه الذي أوصله إلى هذه المرحلة من العقوبة القاسية .