نافذة الجمعة

عروة الصعاليك

الصعاليك في اللغة تعني الفقير الذي لا يملك المال الذي يساعده على العيش وتحمل أعباء الحياة لكن هذا المصطلح أخذ فيما بعد معنى قطاع الطرق الذين يقومون بأعمال السلب والنهب . غير أنه استقرّ عند العرب أن ” الصعاليك – بحسب موسوعة ويكييديا الحرة – اسم يطلق على جماعة من العرب في عصر ما قبل الإسلام يعودون لقبائل مختلفة ، كانوا لا يعترفون بسلطة القبيلة وواجباتها ( خارجون عن القانون : بالوصف المعاصر ) وامتهن الصعاليك غزو القبائل، ولم يعترفوا بالمعاهدات أو الاتفاقيات بين قبائلهم والقبائل الأخرى ” .

كان من أشهر هؤلاء الصعاليك عروة بن الورد ، وهو من شعراء الجاهلية وفرسانها وأجوادها لكنه أيضاً من صعاليكها ، بل أشهرهم . فقد اتخذ من الصعلكة باباً للكرم  وأعطاها نوعاً من المثالية في أسبابها ومكاسبها ؛ أما أسبابها فكان لا يغزو للنهب والسلب وسفك الدماء ، بل يعمد في غاراته على من عُرف في دنيا الناس بالشح والبخل رغم ما لديه من خير ومال وفير ويستهدف قوافل التجار والمناطق الخصبة . وأما مكاسبها فكان يوزعها على الفقراء والضعفاء الذين كان يجمعهم ويغزو بهم حتى أنه سُمي بعروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مصدر دخل . فكان عروة نصيراً لهؤلاء الصعاليك ومصدراً من مصادر رزقهم فاق توقعاتهم حتى قال عنه مروان بن عبدالملك  : ” من قال إن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد ” ووصف عروة نفسه في شعر ، فقال :

لحي الله صعلوكا إذا جنّ ليلـه                      مصافي المشاش آلفا كل مجزر

  يعد الغنى من دهره كـل لـيلة                      أصاب قراها من صديق ميسر

  ولله صعلوك صفيحة وجـهـه                      كضوء شهاب القابس المتنـور

قال عنه أبو فرج الأصفهاني في كتابه الأغاني ” كان عروة بن الورد إذا أصابت الناس سني شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف، وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف ويكسبهم ، ومن قوي منهم – إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوته – خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيباً، حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمةٍ إن كانوا غنموها ، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى ، فلذلك سُمّي عروة الصعاليك ” .

لم تنته حركة الصعاليك بانقضاء ذاك العصر ؛ فقد اتخذت الصعلكة أوجه ودروباً أخرى ، تطورت ، زادت مفاهيمها ، تبدلت شخوصها ، تنوعت فصولها ، مارسها – ولا يزال – أقوام وأقوام بصور وأسباب ومكاسب ربما بقليل من التأمل قد نكتشف وجودهم بيننا وحولنا لكنهم بالتأكيد ليسوا في مثاليات عروة بن الورد .

 

أضف تعليق