نافذة الجمعة

قارون .. وصفعات التاريخ

يقول توماس جيفرسون في كتابه (ملاحظات عن ولاية فرجينيا عام 1784ـ1785م) بعد أن رأى ملامح الفساد ينخر في القيم الأمريكية : ” أرتجف خوفاً على بلادي عندما أفكِّر بأنَّ الله عادل!!)

من قصص التاريخ الداعية للتأمل والاعتبار قصة قارون مع قومه ، وهي قصة تستأهل أن نستدعيها اليوم ، لنسقطها على حال الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي في العموم وعلى الاقتصاد الأمريكي خصوصاً . قارون كان يملك مصادر القوة ويمثل في زمانه القوة الاقتصادية الطاغية . قال عنه المولى عز وجل : ” إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ” بمعنى – حسبما كتب سامي الهسنياني في موضوع له تحت عنوان ” الدروس المستفادة من قصة قارون ” في موقع موسوعة الإعجاز العلمي للقرآن – كانت عند قارون ”  أبواب الثراء الفاحش من ذهب وفضة ومعادن مختلفة وامتلاكه العلم والمعرفة في طرق جمع المال وامتلاكه طرق تمويل واستثمار المال وطرق حفظه وحمايته وعمل جماعات من الخدم والحشم في حماية ماله وحفظ مفاتحه ، وظلم وبغي قارون تجاوز الحد، إذ ظلم نفسه وظلم قومه وتطاول عليهم  ، وملك أسباب الوصول إلى الثراء الاقتصادي، حتى كان القطب الأعظم، مقابل القطب السياسي فرعون، والاثنان كانا يمثلان احتكار السوق والتجارة، واحتكار أفكار وعقول الجماهير الساذجة التي رضيت بالواقع”

وكان التباهي والغرور والتكبر هي الصفة التي غلبت على شتى ممارسات قارون كغيره من الطغاة في منطقهم الذي يقول : ” ما علمت لكم من إله غيري ” وبالضبط كأمريكا التي ترى نفسها الآن أنها الإمبراطورية التي لا تُقهر وإن أمريكا هي العالم ، والعالم هو أمريكا وجبروتها ومظالمها منتشرة في بقاع المسلمين ، في العراق وأفغانستان والسودان وحصار غزة و … إلخ . واسمعوا إلى ألبرت بيفريدج ، ممثِّل ولاية (إنديانا) في مجلس الشيوخ الأمريكي وهو يقول: ” لقد جعل الله منَّا أساتذة العالم ! كي نتمكن من نشر النظام حيث تكون الفوضى ، وجعلنا جديرين بالحكم لكي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية الهرمة ” وهاهي مادلين أولبرايت تقول في إحدى المقابلات معها في جامعة أمريكية: ” في هذا الكون قوة عظمى واحدة ؛الولايات المتحدة!! ” وكان الرئيس الأمريكي الأسبق يقول : ” نحن نقبض على ناصية المستقبل بأيدينا ” كما ردد في السابق فرعون ” ما أريكم إلاّ ما أرى ”  .

ورغم أن قوم قارون قد حذروه ” إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ” إلاّ أنه أصر واستكبر فردّ عليهم ” قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ” ثم تمادى ” فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ” وذلك مثلما قال وزير الخارجية كولن باول بعد أحداث 11 سبتمبر : ” نحن الآن القوة الأعظم ، نحن الآن اللاعب الرئيس على المسرح الدولي ، وكل ما يجب علينا أن نفكر به الآن هو مسؤوليتنا عن العالم بأسره، ومصالحنا التي تشمل العالم كلَّه” فماذا حدث لقارون بعد أن لم يأبه بالناصحين ” أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ” ثم كانت عاقبة أمره ” فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ “

وهكذا فإن سنن الله جارية ماضية وهي لا تحابي أحداً ولا تجاري دولاً مهما بلغت من القوة والجبروت . يقول ” بول كينيدي ” وهو مدير مركز الدراسات الأمنية الدولية بجامعة بيل ، وأستاذ التاريخ فيها وأحد أشهر المؤرخين المعاصرين الأمريكان : ” إنَّ التاريخ ـ وبالدقة ذاتها ـ لا يكرر أبداً نفسه، ولكنه غالباً ما يوجه صفعاته، إلى أولئك الذين يتجاهلونه كلياً “

 

أضف تعليق