أخيراً جاء اليوم الذي تحول فيه جيمي كارتر إلي شخص منبوذ لدى الكيان الصهيوني ويُعامل معاملة مهينة لا تليق برئيس أسبق لأمريكا بحيث لا يُسمح له بحرية التنقل والدخول إلى قطاع غزة أو أن يكون غير مرغوب فيه في صورة لا تنبأ إلاّ عن مقدار صلابة هؤلاء الصهاينة في مواقفهم وتمسكهم بسياستهم . وفي نفس الوقت يعبر هذا الموقف السيء تجاه كارتر بالذات عن وقاحتهم وجحودهم ولؤمهم ونكرانهم للجميل!
فكارتر ؛ هو من أكثر الرؤساء الأمريكيين الذين يجب أن يدين لهم الكيان الصهيوني بالفضل . فهو العرّاب الأول لعملية السلام أو الاستسلام بين العرب والصهاينة حيث شهد عهده وبمبادرة منه ما يُعتبر أهم حدث في تاريخ هذا الكيان الغاصب منذ قيامه عام 1948م إذ رعى توقيع الاتفاقية المشؤومة المسماة ب ( كامب ديفيد ) بين الصهاينة وبين مصر عام 1979م وهي الاتفاقية التي هزّت العالم آنذاك وكانت نقطة النهاية لأي حرب نظامية عربية جديدة ضد الكيان الصهيوني رغم مواقف الهجوم والاستنكار من جانب العرب ( آنذاك ) تجاه هذه الاتفاقية ومواقف المقاطعة التي اتخذوها حينذاك ضد مصر إلاّ أنهم تنازلوا عن تلك المواقف المناهضة لها وعمدوا إلى أن تكون اتفاقية ( كامب ديفيد ) دليلهم ومرشدهم إلى مؤتمر مدريد للسلام وما تبع ذلك من اتفاقيات مثل أوسلو ووادي عربة وشرم الشيخ و أنابوليس و …. إلى آخره من اتفاقيات بيعت خلالها الأوطان وتم التخلي بسببها عن المقدسات .
وقد عبّر الشاعر أحمد مطر عن هذه الحادثة بقصيدة حملت عنوان ” الثور والحظيرة ” قال فيها :
الثور فرّ من حظيرة البقر، الثور فر
فثارت العجول في الحظيرة
تبكي فرار قائد المسيرة
وشكلت على الأثر
محكمة ومؤتمر
فقائل قال: قضاء وقدر
وقائل: لقد كفر
وقائل: إلى سقر
وبعضهم قال امنحوه فرصة أخيرة
لعله يعود للحظيرة؛
وفي ختام المؤتمر
تقاسموا مربطه، وقسّموا شعيره
وبعد عام وقعت حادثة مثيرة؛
لم يرجع الثور، ولكن ذهبت وراءه الحظيرة
وكلّ تلك الخدمات والاتفاقيات التي ينعم بها الآن الكيان الصهيوني وتحميه دون أن يقدّم ولو شيئاً يسيراً للعرب ؛ يرجع فضلها إلى جيمي كارتر . إذن ؛ لماذا أصبح كارتر اليوم منبوذاً وربما يقولون عنه إرهابيا أو يتهمونه في يوم من الأيام بمعاداة السامية ؟ ما الذي حدا مما بدا ؟! ليس بالطبع هو رغبته في لقاء – كما يُشاع – مع قادة حماس ، إذ أن هذا الأمر لم يعد من المحرّمات الآن عند الصهاينة ، فهم يتمنون الاجتماع مع قادة حماس ويرسلون وسطاء في سبيل تحقيق تهدئة مع حماس ( يا للمفارقة ) .
لعل السبب الحقيقي وراء الموقف الصهيوني من كارتر هو كتابه المثير : فلسطين سلام.. لا آبارتيد ( لافصل عنصري ) الذي أصدره مؤخراً وانتقد فيه بعض ممارسات الكيان الصهيوني وسياساتها خاصة ما يتعلق بإنشاء الجدار العازل الذي أسماه جدار فصل عنصري ، رغم أن هذا الكتاب كغيره من مذكرات الساسة والرؤساء الأمريكيين الذين لا يستفيقون إلى مثل هذه الحقوق ولا يوجهون هذه الانتقادات التي يتكلمون عنها في مذكراتهم إلاّ في خريف أعمارهم وليس عندما يكونون في مواقع القرار.