رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ، فقد علّمنا درساً في الصبر والرضا بقضاء الله قلّ أن يتقنه غيره أو يحصل لنا أن نأخذه من سواه . بعض الناس ما أن يصيبهم مثل مرض بوجاسم ، حتى يعم الجزع والهلع حياتهم وتنهزم نفوســهم للمرض قبل أن ينخر المرض ذاته في جسدهم ، فتتضاعف المصيبة لديهم ، وتتعثر العلاجات أمامهم وتصعب مداواتهم ؛ ذلك أن علامات اليـأس والقنوط قد أخذت أماكنها وفعلت في عزائمهم ما هو أشـد من المرض نفسـه . وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور, وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور ).
غير أن محمد البنكي تسامى فوق مرضه وواجهه بشجاعة قلَ مثيلها وتعايش بين الملاءات البيضاء ومباضع الجراحين في عدد من المستشفيات دون أن يستطيع المرض كسر شوكته أو يحط من عزيمته أو يقلل من تفاءله وسيره وممارسته لحياته ومختلف نشاطاته ، صحفياً مخلصاً ورئيساً لتحرير صحيفة يومية ثم مستشاراً إعلامياً ثم وكيلاً لوزارة هامة ، وقبل ذلك أباً عطوفاً وحنوناً على أهله وأبنائه بذل ما في وسعه ألا يشعرهم بانهزامه أمام هذا المرض الخبيث أو تتغير عليهم حياتهم بسببه ، ساعده في كلّ ذلك إيمانه بالله وأقداره وعزيمته وصبره فضلاً عن أدعية محبيه وإخوانه ، وظلّ على هذا الحال لسنوات يصعب على من لايعرفه أن يلمح إصابته بمرض ، فكيف به وقد استكان السرطان في أنحاء عديدة من جسمه . وقد حُفظ عنه قوله منذ أن تم اكتشاف مرضه ” أضع الآن دون رعب قدمي في الرجاء ، كما لو السرطان العابر ” .
بيني وبين العزيز أبوجاسم ، محمد البنكي رحمه الله علاقة مودة واحترام ، وكانت له لمسات تشجيع وحفز لي على مواصلة الكتابة رغم انشغالاتي الكثيرة عنها ، ومن بين رسائله النصية الجميلة لي في هذا المجال التي احتفظ بها للراحل العزيز مخاطبته لي : ” لا يكتشف الإنسان مساحات جديدة وأعماقا تمنح اللآليء إذا لم تكن لديه الشجاعة للابتعاد عن الشاطيء وأدعو لكم بإبحار يمعن في التفاؤل والعزيمة “
إن أحدنا في حياته يعطي لكل شيء حقّه ويخطط ويسير في معتركها دون أن يخطر بباله أنه مهدّد في هذه الدنيا بأحد أمرين؛ إما أن يعترض له عارض في مشوار الحياة وإما أن يشرب من كأس الموت الذي ينتظره بل ويكرهه ، فهو لابد له أن يتجرع من أحدهما ، والعاقل من يعتبر بقصر حياته مهما طال عمره وزاد سلطانه ونفوذه وماله.
نسأل المولى القدير أن يتغمد أخينا الحبيب محمد البنكي بواسع رحمته ويجعل ما أصابه من مرض كفّارة له وأن يسكنه فسيح جناته ، وأن يلهم أهله وأقربائه وأحبائه الصبر والسلوان .